
في زمن أصبحت فيه الرموز أقوى من الكلمات، لا يمكن اعتبار كل هدية مجرد هدية، ولا كل مجاملة مجرد مجاملة. فبعض الأفعال تحمل من الدلالات ما يجعلها أكبر بكثير من قيمتها المادية، خاصة عندما تصدر عن مسؤول يمثل دولة لا فرداً عادياً.
ولهذا لم يكن مستغربا أن يثير تقديم كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، لحسن السعدي لصليب مصنوع من خشب العرعار المغربي إلى كنيسة في اليونان، نقاشاً واسعاً داخل الرأي العام الوطني.
فالقضية لم تكن قطعة خشب منحوتة بإتقان، ولا كانت مرتبطة بموقف من المسيحية أو من الكنيسة الأرثوذكسية، بل تعلقت بسؤال أكثر عمقاً: ماذا يعني أن يختار مسؤول يمثل دولة إسلامية رمزاً دينياً خالصاً ليقدمه هدية رسمية؟
المثير للانتباه أن بعض الأصوات سارعت إلى إغلاق النقاش قبل أن يبدأ. فمن تساءل عن دلالة الهدية وملاءمتها وُضع فورا في خانة المتشددين أو الرافضين للتعايش. وكأن مجرد طرح السؤال أصبح جريمة فكرية.
لكن التعايش الحقيقي لا يقوم على منع الأسئلة، بل على مناقشتها.
لا أحد يعترض على احترام المسيحيين أو على حق الكنيسة في الاعتزاز برموزها الدينية. والمغرب، عبر تاريخه الطويل، لم يكن يوماً أرض إقصاء أو اضطهاد ديني. بل إن قوته الحضارية كانت دائماً في قدرته على احتضان التنوع الديني والثقافي تحت سقف الاستقرار والاحترام المتبادل.
غير أن احترام رموز الآخرين شيء، واختيار تلك الرموز وصناعتها وتقديمها باسم الدولة شيء آخر تماماً.
فالقضية لا تتعلق بحرية الكنيسة في الاحتفاظ برموزها الدينية، فهذا حقها الكامل. كما لا تتعلق بحق المسيحيين في الاعتزاز بالصليب، فهو رمز مقدس لديهم. السؤال المطروح يتعلق حصراً بالجهة التي اختارت صناعة الصليب وتقديمه كهدية رسمية. فحين يصدر الفعل عن فرد عادي يختلف معناه عندما يصدر عن مسؤول يمثل دولة لها مرجعية دينية ودستورية محددة.
ولو كانت الهدية قطعة من الزليج المغربي، أو مخطوطا تاريخيا، أو تحفة من الصناعة التقليدية، لما أثار الأمر كل هذا الجدل. الجدل انفجر لأن الهدية لم تكن رمزاً حضارياً مغربياً عاماً، بل رمزاً دينياً خالصا. ومن هنا نشأ السؤال: هل كانت الرسالة المقصودة هي التعريف بالحرف المغربية أم الاحتفاء برمز عقائدي محدد؟ وعندما يختلط البعدان يصبح النقاش مشروعاً، لا تطرفاً ولا سوء نية.
المدافعون عن الواقعة يرفعون شعار الانفتاح. لكن الانفتاح لا يعني فقدان الحساسية تجاه الرموز. فالأمم الواثقة من نفسها لا تحتاج إلى استعارة رموز الآخرين لإثبات تسامحها. الاحترام المتبادل لا يقاس بمدى استعدادك لتقديم رموز دينية لا تؤمن بها، بل بقدرتك على احترام أصحابها دون التخلي عن خصوصيتك.
هنا تحديداً تكمن المفارقة.
فالمغرب يمتلك واحداً من أغنى المخزونات الحضارية والثقافية في العالم. من الزليج إلى الخط المغربي، ومن المخطوطات التاريخية إلى التحف الفنية والصناعة التقليدية الراقية. كان بإمكان أي هدية من هذه الهدايا أن تحمل رسالة تقدير واحترام وتبرز عبقرية الحرفي المغربي في الوقت نفسه. فلماذا جرى اختيار رمز ديني بالذات؟
هذا السؤال لم يجد جوابا مقنعا حتى الآن. وربما لأن الجواب الحقيقي محرج للبعض. فهناك نزعة متزايدة لدى بعض النخب تعتبر أن الانفتاح لا يكتمل إلا عندما يتعلق الأمر بالتنازل عن الرموز الخاصة بالهوية الإسلامية، بينما تعامل رموز الهويات الأخرى بكثير من الحذر والاحترام. وهنا يصبح التسامح مفهوماً غير متوازن، يطلب من طرف أن يبرهن عليه باستمرار، بينما يُفترض تلقائياً عند الطرف الآخر.
إن قوة المغرب لم تبن عبر الذوبان في هويات الآخرين، بل عبر الثقة في هويته الخاصة. ولذلك استطاع أن يكون أرضاً للتعايش واحترام الاختلاف عبر القرون. فالهوية الواثقة لا تخاف من الآخر، لكنها أيضاً لا تشعر بالحاجة إلى استعارة رموزه لإثبات حسن نيتها.
في النهاية، قد يرى البعض أن ما حدث مجرد تفصيل بروتوكولي عابر، وقد يراه آخرون خطأً في التقدير. لكن المؤكد أن الجدل لم يكن حول الصليب بحد ذاته، ولا حول الكنيسة، ولا حول المسيحيين. الجدل كان حول معنى الرموز عندما تتحول من أدوات للتعبير الديني إلى رسائل سياسية تصدر باسم دولة وشعب.
وهنا يبقى السؤال معلقا:
إذا كان التسامح يعني احترام معتقدات الآخرين، فهل يقتضي ذلك أيضاً أن نتبنى رموزهم الدينية في مناسباتنا الرسمية؟ أم أن التسامح الحقيقي يبدأ عندما يحترم كل طرف الآخر دون أن يتخلى عن رموزه وهويته؟






















