الرأي الحر

حين تنتصر الدولة العاقلة على فوضى الإستهداف وتفشل رهانات التشويش

الرأي الحر

لا يمكن قراءة البلاغ الملكي كمجرد رسالة تهنئة مولوية، عقب تظاهرة رياضية قارية متميزة و ناجحة، بل بإعتبارها نص سياسي عميق البنية الخطابية و دقيق الإشارات و محكم التوازن، يشتغل على مستويات متعددة في آن واحد، منها الداخلي و القاري والدولي. إنه بلاغ يؤطر اللحظة و يعيد توجيه المعنى ويغلق أبواب الإستثمار العدائي الذي واكب الكان .

إن أول ما يلفت الإنتباه هو أن البلاغ يؤسس منذ بدايته لمنطق الدولة الواثقة من ذاتها، الدولة التي لا تختزل النجاح في النتيجة الرياضية، بل تربطه بالإنسان المغربي وبالقدرة الجماعية على التنظيم والانضباط والضيافة والفرح المسؤول. هنا تتجلى حكمة القيادة في نقل مركز الفخر من “الكأس” إلى “النموذج”، ومن لحظة عابرة إلى مسار تنموي طويل، بما يجعل أي محاولة لتقزيم الحدث أو التشويش عليه فاقدة للأثر السياسي. فالإشادة بالتصنيف العالمي للمنتخب الوطني، وربطه بإختيارات إستراتيجية في البنيات التحتية وفي إستقطاب كفاءات مغاربة العالم، ليس مجرد تفصيل تقني، بل رسالة تؤكد أن ما تحقق لم يكن صدفة ولا نتاج حظ، بل ثمرة تخطيط حكيم وسيادة قرار سامي. إنها رسالة موجهة لكل من راهن على إرباك التجربة المغربية أو تصويرها كنجاح هش قابل للاختراق.
وعندما ينتقل البلاغ إلى معالجة الأحداث المؤسفة التي رافقت الدقائق الأخيرة من المباراة النهائية، فإنه يفعل ذلك بمنطق الدولة الراشدة لا بردة فعل السلطة المتوترة. فذكر الوقائع المشينة دون تهويل ووضعها في سياق انفعالي عابر، ثم الإرتقاء بالتحليل نحو إستعادة منطق الأخوة الإفريقية، يكشف عن وعي عميق بطبيعة الصراعات الجديدة التي لم تعد تدار فقط في الملاعب، بل في منصات الإعلام وغرف المخابرات، وجيوش الذباب الإلكتروني.
هنا بالضبط تتجلى الهزيمة الصامتة لكل محاولات الاستهداف. فبدل الانجرار إلى خطاب عدائي أو تعبئة مضادة، إختار البلاغ الملكي تفكيك السردية المعادية من جذورها، فلا صدام و لا انقسام ولا شيطنة للآخر، بل تثبيت لفكرة أن نجاح المغرب هو نجاح لإفريقيا، وأن أي محاولة لزرع الفتنة تصطدم بجدار تاريخي من التقارب والتراكم المشترك بين شعوب القارة. أما الإشارة الصريحة إلى التشهير ومحاولات النيل من المصداقية، فهي لحظة قوة سيادية بامتياز، لأن البلاغ لا ينكر وجود الاستهداف، لكنه يضعه في حجمه الحقيقي.كمخططات لن تبلغ مرادها لأن الرهان الأساسي لم يكن يوما ما على رد الفعل بل على وعي الشعب. هذه الجملة بالذات تختصر معادلة نادرة في العالم المعاصر، وهي معادلة لملكية تقود بثقة وشعب قوي يميز عمليات التضليل وحروب الإدراك ليتفادى السقوط في مستنقعها.
لقد أعلن البلاغ نهاية مرحلة كان يعتقد فيها أن الضغط الإعلامي والرقمي قادر على كسر النماذج المستقرة والصادة في القارة السمراء، فالمغرب يؤكد اليوم أنه دخل طور جديد من المناعة الاستراتيجية،المثمتلة في النجاحات القابلة للتدويل، و الأزمات القابلة للإحتواء، والإستهدافات القابلة للتحييد دون ضجيج أو فوضى. وهو بذلك لا يحمي صورته فقط، بل يعيد تعريف قواعد الإشتباك الرمزي في الفضاء الإفريقي والدولي.

ختاما، نحن أمام بلاغ يؤرخ للحظة إنتصار مزدوج إنتصار تنظيم دولة، وانتصار وعي شعب. بلاغ يسجل أن الحكمة حين تقترن بالعزيمة، قادرة ليس فقط على إنجاح التظاهرات، بل على إلحاق فشل ذريع بكل مشاريع التشويش، مهما تنوعت أدواتها وتعددت غرفها المظلمة.

د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وإستراتيجي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

CONGTOGEL