الصويرة: محمد طيفور
تستعد مدينة الصويرة لاحتضان الدورة الثالثة من لقاءات «إستير وسلمى»، في الفترة الممتدة من 8 إلى 11 أكتوبر 2026، تحت شعار «عبور Traversées»، في دورة تجعل من الحركة والذاكرة والمنفى والهوية واللقاء مع الآخر محاور أساسية لبرنامجها.
وعلى امتداد أربعة أيام، ستتجاور السينماء والمسرح والموسيقى والتصوير والفنون التشكيلية والأدب والنقاشات الفكرية، في محاولة لتحويل الفن إلى مساحة للتفكير في الحدود، سواء كانت جغرافية أم ثقافية أم اجتماعية أم شخصية.
وتأتي هذه الدورة بعد دورة أولى خصصت لموضوع المنفى، ودورة ثانية سنة 2025 ركزت على النساء اللواتي يروين تجارب المنفى. أما هذه السنة، فتتسع فكرة «العبور» لتشمل الانتقال بين البلدان والثقافات والطبقات الاجتماعية، والقصص العائلية والتجارب الشخصية.
وقد صيغ البرنامج حول أربعة محاور: «الانفتاح»، «العبور»، «التحرر» و«التسامي»، بحيث يصبح كل يوم مرحلة من مراحل رحلة فنية وفكرية متكاملة.
الخميس 8 أكتوبر: «الانفتاح»…افتتاح من القلعة
تنطلق الدورة يوم الخميس 8 أكتوبر تحت عنوان «الانفتاح»، وتقام الأمسية الافتتاحية في الباستيون، حيث اختار المنظمون أن يبدأوا المهرجان من فضاء تاريخي مفتوح على البحر، بما ينسجم مع فكرة العبور التي تحكم الدورة كلها.
وتجمع الأمسية الأولى بين القراءة والإبداع والعرض المسرحي والموسيقى والصورة والشعر. وتتمثل أبرز فقراتها في تقديم «Iqtibas»، وهو عمل من كتابة وإخراج Sarah M. ومن إنتاج Compagnie Beina، بمشاركة Hayet Darwich وMaxime Lévêque. والعمل، الذي يجمع العربية المغربية والفرنسية، يقوم على حكاية عاطفية لشابين، أبيل وبلقيس، يجدان نفسيهما أمام أثر الماضي و«الأشباح» التي تحملها التجارب السابقة. وقد أُدرج العرض في برنامج المهرجان يوم 8 أكتوبر، وتبلغ مدته نحو ساعة ونصف.
ولا تتوقف الأمسية عند المسرح، إذ تتواصل مع «Terre de Sienne»، وهو مشروع فني لـ Pascal Ducourtioux يجمع بين الموسيقى والتصوير الفوتوغرافي والشعر.
وهكذا يقدم اليوم الأول منذ بدايته صورة مكثفة عن فلسفة اللقاءات: لا وجود لحدود صارمة بين المسرح والسينما والشعر والموسيقى والفنون البصرية، بل إن كل شكل فني يصبح وسيلة أخرى للعبور نحو تجربة إنسانية مختلفة.
الجمعة 9 أكتوبر: «العبور»… الهجرة بين الشاشة والواقع
يحمل اليوم الثاني عنوان «العبور»، ويضع موضوع الهجرة والتنقل في صلب البرنامج. وتفتتح البرمجة السينمائية بعرض فيلم «La Traversée» للمخرجة الفرنسية Florence Miailhe، وهو اختيار يبدو منسجما بصورة مباشرة مع موضوع الدورة.
بعد العرض، يفتح المهرجان نقاشا حول الهجرة والضواحي، بمشاركة المخرجة فلورانس مياي، وعالمة الاجتماع والناشطة بشرى عزوز، إلى جانب عدد من الشهود. ولا يكتفي النقاش بالجانب السينمائي للفيلم، وإنما يسعى إلى الانتقال من الصورة إلى التجربة الواقعية، ومن الحكاية الفردية إلى الأسئلة الاجتماعية المرتبطة بالهجرة والاندماج والهوية.
وتتواصل العروض السينمائية خلال اليوم بفيلم «Seven Days» للمخرجة والممثلة الإيرانية Vishka Asayesh، إضافة إلى «Straight Circle» للمخرج Oscar Hudson. وهكذا يصبح يوم الجمعة أكثر ارتباطا بفكرة «الرحلة» نفسها، وما تطرحه من أسئلة حول الحدود والمكان والانتماء.
ويمنح البرنامج السينمائي لهذا اليوم للمهرجان طابعه الحواري، إذ لا تأتي الأفلام بوصفها عروضا منفصلة، وإنما باعتبارها مدخلا إلى نقاشات حول الهجرة وتجارب الذين يعبرون الحدود بحثًا عن مكان جديد أو حياة جديدة.
السبت 10 أكتوبر: «التحرر»… من أورويل إلى جراح المنفى
أما السبت 10 أكتوبر، فيحمل عنوان «التحرر»، ويبدو من أكثر أيام الدورة تنوعا وكثافة. ويحتل المسرح موقعًا بارزا في برنامجه، من خلال العرض «84!» الذي صممته Louise Lévêque انطلاقا من رواية جورج أورويل الشهيرة «1984».
لكن خصوصية العرض لا تكمن في مضمونه فقط، وإنما في شكله أيضا، إذ يقدم في صورة جولة مسرحية غامرة داخل المدينة العتيقة للصويرة، بما يجعل أزقة المدينة جزءا من التجربة الفنية. وهنا يتحول «العبور» من فكرة يناقشها المهرجان إلى ممارسة فعلية يعيشها الجمهور وهو ينتقل داخل فضاءات المدينة.
ويقدم اليوم نفسه عرض «La Dame blanche» لإيمانويل ماير، مضيفا إلى البرنامج بعدًا مسرحيًا آخر.
أما النقاش الفكري الأبرز في السبت، فيتمثل في مائدة مستديرة حول «جراح المنفى»، بمشاركة Denis Charbit وAnwar Abu Eisheh وMichel Taubmann. وتتناول المائدة آثار المنفى والاقتلاع والذاكرة، وما تتركه تجربة مغادرة الوطن أو فقدان المكان من ندوب تستمر حتى بعد انتهاء الرحلة.
ويستكمل اليوم برنامجه السينمائي بثلاثة أعمال هي «Put Your Soul in Your Hand and Walk» للمخرجة Sepideh Farsi، و«De l’autre côté» للمخرج Fatih Akin، ثم «Promis le ciel» للمخرجة التونسية Erige Sehiri. وبهذا يجمع السبت بين السينما والمسرح والحوار الفكري، ويضع سؤال التحرر في مواجهة تجارب مختلفة من العبور والمنفى والانتماء.
الأحد 11 أكتوبر: «التسامي»… ذاكرة السينما والموسيقى في الختام
تصل الدورة إلى يومها الأخير الأحد 11 أكتوبر تحت عنوان «التسامي»، في برنامج يبدو أكثر ارتباطا بالذاكرة الفنية وبإعادة اكتشاف أعمال أصبحت جزءًا من تاريخ السينما والثقافة المغربية.
وتتضمن البرمجة عرض فيلم «Le Grand Voyage» للمخرج المغربي إسماعيل فروخي، وهو عمل يرتبط بدوره بفكرة الرحلة، من خلال قصة سفر أب وابنه وما يتيحه الطريق من مواجهة بين جيلين ورؤيتين للعالم.
ويعقب ذلك لقاء مع عبد الله أوزيتان ومانويل بينيكود، قبل أن يعود المهرجان إلى واحد من أبرز الأفلام المغربية من خلال عرض النسخة المرممة من «transes» لأحمد المعنوني (1981). ويكتسي هذا الاختيار أهمية خاصة، لأن الفيلم الذي ارتبط بموسيقى ناس الغيوان وبصورة المغرب الموسيقية والثقافية، يستعيد هنا حضوره في نسخة مرممة أمام جمهور جديد.
وتتواصل الأمسية مع حفل موسيقي يعيد صياغة موسيقى كناوة من خلال مشروع يجمع Loy Ehrlich وArmand Méthivier، في لقاء بين التراث الموسيقي المغربي والرؤية المعاصرة. ويأتي هذا الحفل امتدادا طبيعيًا لفكرة «العبور» نفسها: انتقال الموسيقى بين الأجيال والثقافات والأنماط الفنية.
وتختتم الدورة بعرض فيلم «Sirāt» للمخرج Oliver Laxe، ليكون آخر محطة في رحلة استمرت أربعة أيام بين السينما والمسرح والموسيقى والنقاش، وبين تجارب المنفى والتحرر والذاكرة والبحث عن مكان في العالم.
«السوق المعاصر»… مهرجان داخل المدينة
وبالتوازي مع البرنامج اليومي، يخصص المهرجان مكانة مهمة لـ «السوق المعاصر»، الذي سيظل مفتوحا خلال الأيام الأربعة، وسيجمع المعارض الفنية والعروض الأدائية وورشات العمل والقراءات والموسيقى واللقاءات.
كما سيتيح حضور الفنانين الصويريين إلى جانب الفنانين والضيوف القادمين من خارج المدينة، بما يخلق مساحة للتفاعل بين المبدعين والجمهور والسكان. وهي صيغة تعكس رغبة المنظمين في جعل الصويرة نفسها جزءًا من العمل الفني، لا مجرد مكان لاستضافة المهرجان.
ويحضر كذلك تكريم رونيت القبص، الممثلة وكاتبة السيناريو والمخرجة ذات الأصول المغربية، باعتبارها شخصية مرجعية للتظاهرة، وهو تكريم ينسجم مع موضوع الدورة بما تمثله تجربتها من عبور بين الثقافات والهويات واللغات.
وهكذا، تبدو الدورة الثالثة للقاءات «إستير وسلمى» أكثر من مجرد مهرجان سينمائي، إنها رحلة من أربع محطات تبدأ بـ«الانفتاح»، وتمر عبر «العبور» و«التحرر»، قبل أن تصل إلى «التسامي». وبين عرض مسرحي داخل المدينة العتيقة، وفيلم عن الهجرة، ومائدة مستديرة حول جراح المنفى، ونسخة مرممة من «ترانس» وحفل موسيقي كناوي، تحاول الصويرة أن تجعل من الثقافة وسيلة للعبور بين التجارب الإنسانية المختلفة.
وفي هذا السياق، تكتسب المدينة نفسها دلالة رمزية إضافية: مدينة بحرية عرفت تاريخيا حركة الأشخاص والبضائع والأفكار، وتلتقي فيها روافد ثقافية متعددة. لذلك يبدو شعار «Traversées» مناسبا لمدينة لا تقدم نفسها في هذه الدورة كمجرد خلفية للفعاليات، وإنما تقدمها كجزء من الحكاية، وكفضاء يختبر فيه الجمهور معنى الانتقال من مكان إلى آخر، ومن ذاكرة إلى أخرى، ومن الاختلاف إلى إمكان اللقاء.





