إعداد : د. منير البصكري الفيلالي / أسفي
أبلغني الأخ والصديق الأستاذ مصطفى الجوهري ما نشرته جريدة ” الأسبوع الصحفي ” حول ما يتداول من أخبار تتعلق بإنشاء مركب ثقافي مكان المحطة الطرقية بشارع الكفاح بالرباط ، يقترح أن يحمل اسم الدكتور عباس الجراري ، وهو ما نتمنى تحقيقه .
فالدكتور عباس الجراري ـ رحمه الله ـ يعد من أبرز أعلام الفكر والأدب في المغرب الحديث؛ إذ كرّس حياته للبحث الأكاديمي والدفاع عن الأدب العربي والمغربي، حتى صار يُلقّب بـ«عميد الأدب المغربي». وقد شغل مناصب علمية وسيادية مرموقة، منها عمادة كلية الآداب بجامعة القاضي عياض بمراكش سنة 1980، وهي السنة نفسها التي أسندت إليه فيها تدريس مادة الفكر الإسلامي لولي العهد آنذاك الأمير سيدي محمد وشقيقته للامريم ، إضافة إلى تدريس المادة نفسها لصاحبتي السمو الأميرتين للاأسماء وللاحسناء في المعهد المولوي بالرباط . كما تم تعيينه عام 1989 من طرف جلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه خطيبا بمسجد للاسكينة..كما عينه الملك في أبريل 1983 عضوا بأكاديمية المملكة المغربية ثم الاستشارية الملكية التي عيّنه فيها الملك محمد السادس سنة 2000. وفضلا عن هذا كله ، إنتاجه العلمي الغزير في الأدب المغربي وفي التراث والأدب الشعبي وفي الأدب العربي والإسلامي وكذا في الدراسات الأندلسية ، وفي الفكر والثقافة وهو مجال متنوع ومتعدد يكشف عن موسوعية متكاملة ،دون أن ننسى ناديه الجراري الذي أسسه والده رحمه الله سنة1930 ، ناهيك عن الأوسمة التي نالها منذ 1965 من الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر ،ووسام العرش مندرجة فارس عام 1980 ، ووسام المؤرخ العربي الذي منحه له اتحاد المؤرخين العرب في مارس 1987 وميدالية اكاديمية المملكة المغربية من طرف المغفور له الملك الحسن الثاني عام 1990 ..
لقد ترك الدكتور عباس الجراري إرثًا علميًا يُقدّر بنحو مائة مؤلف ودراسة في الفكر والثقافة والأدب، ومن أبرزها : “الزجل في المغرب ،القصيدة ” و”الثقافة في معركة التغيير”، و”الأدب المغربي من خلال ظواهره وقضاياه”، و”معجم مصطلحات الملحون الفنية”، و”النغم المطرب بين الأندلس والمغرب”. وغيره كثير يصعب تتبعه في هذا المقال وهو ما يجعل إحياء ذاكرته مؤسساتيًا امتدادًا طبيعيًا لمساره.
إن الدكتور عباس الجراري ـ رحمه الله ـ من خلال إسهاماته الأدبية والفكرية ، ومشاركته الإيجابية في مختلف المجالات ، ظل دائما الصوت المخلص الصادق الواعي المؤمن بكل ما يكتب ويقول إلى أن وافاه الأجل المحتوم.
كل هذا يشفع له أن تحمل “محطة القامرة ” سابقا اسمه ليخلد في سجل رجالات المغرب ممن وهبوا حياتهم لخدمة الوطن .
لهذا ، يُقترح تحويل المحطة الطرقية السابقة “القامرة”، الواقعة بتقاطع شارع الحسن الثاني وشارع الكفاح بالرباط، إلى مركب ثقافي يحمل اسم الدكتور عباس الجراري، “عميد الأدب المغربي”، ويؤوي مكتبته العامرة التي عُني الملك محمد السادس أيده الله ونصره ، بحفظها وصيانتها. فهذا المشروع ليس مجرد إعادة توظيف عقاري، بل ترجمة عملية للوفاء بمثقفٍ صاغ جزءًا أصيلًا من الذاكرة الفكرية المغربية.
لقد كانت “القامرة” محطة طرقية رئيسية بالرباط، ارتبطت لعقود بذاكرة المسافرين وسكان العاصمة، قبل أن يُتخذ قرار إغلاقها ابتداءً من فاتح دجنبر 2022 ونقل النشاط إلى المحطة الجديدة. وقد أثارت حالتها بعد الإغلاق جدلًا عموميًا، إذ تحولت إلى فضاء مهمل، بينما طالب مستشارون جماعيون بتحويلها إلى مكان للمعارض والأنشطة الثقافية.
وتشير تقارير حديثة إلى أن أشغال إعادة تأهيل المحطة تتواصل في إطار مشروع لتحويلها إلى معلمة ثقافية ومعرفية، مع توجّه نحو مركز ثقافي ومكتبة وسائطية يحفظ ذاكرة المكان ويفتحه على أدوار جديدة. وهنا يكمن الفرص التاريخية: أن يكون لهذا التحول اسمٌ ومرجعية فكرية تليقان بأهمية الموقع .
ولعل تسمية المركب باسم عباس الجراري ليست تكريمًا رمزيًا فحسب، بل اختيارٌ مؤسساتي يربط بين ثلاثة معانٍ:
أولا : الوفاء للعلم، ذلك أن الدكتور عباس الجراري مثال للباحث الذي جمع بين الأصالة المغربية والانفتاح على الثقافة الإنسانية.
ثانيا : حفظ الإرث، أي إدماج مكتبته في المركب يضمن انتقالها من ملكية خاصة أو أرشيف عائلي إلى ملكية ثقافية عمومية متاحة للباحثين والقراء.
ثالثا : الرباط كمركز للمعرفة، فالعاصمة تحتاج إلى فضاء ثقافي كبير يجمع بين المكتبة والمعرض والندوة والأرشيف الرقمي والأنشطة المجتمعية.
كما أن المشروع ينسجم مع الاهتمام الملكي المعروف بحفظ التراث الفكري والمكتبات، ويحوّل هذا الاهتمام إلى منشأة دائمة يراها الجمهور ويستفيد منها الباحثون.
وفي هذا السياق ، يمكن أن يُسمّى المشروع ب”مركب عباس الجراري الثقافي” أو “دار عباس الجراري للكتاب والتراث” ، وقد يضم :
ـ مكتبة الدكتور عباس الجراري ، من خلال قاعة مركزية لعرض مؤلفاته ومخطوطاته ورسائله ومراسلاته، مع رفوف مفتوحة للبحث والقراءة.
ـ مركز للرقمنة والأرشيف ، أي رقمنة الكتب والمقالات والتسجيلات الصوتية والمرئية، وتوفيرها عبر منصة رقمية للباحثين.
ـ قاعات للندوات والمحاضرات، وذلك لاستقبال الجامعات والمراكز البحثية والنوادي الثقافية، وخصوصًا الأنشطة المتعلقة بالأدب المغربي والملحون وكل أشكال التراث.
ـ متحف صغير للذاكرة ، يعرض مسار الدكتور الجراري، ومراحل النادي الثقافي العائلي، وصورًا ووثائق من تاريخ الرباط الثقافي.
ـ فضاء للملحون والفنون الأصيلة ، نظرًا لاهتمام الأستاذ الجراري الموثق بالملحون والعلاقات الثقافية المغربية الأندلسية.
ـ مكتبة وسائطية للشباب ، تربط الإرث الورقي بالوسائط الرقمية، وتشجع القراءة والبحث والإنتاج المعرفي.
ـ فضاءات للمعارض المؤقتة ، للكتاب والخط والتصوير والفنون التشكيلية وذاكرة المدن المغربية.
ولا ينبغي ألا يكون المركب صالة للمناسبات فقط، بل مؤسسة بحثية وثقافية ذات برنامج سنوي واضح.. فمن الممكن أن ينظم:
ـ ندوات سنوية بعنوان “أيام الدكتور عباس الجراري ” حول الأدب المغربي والملحون والثقافة والتحولات المجتمعية.
ـ جائزة سنوية للبحث في الأدب المغربي والتراث الشفهي، تحمل اسم العميد.
ـ برنامج “الرباط مدينة الكتاب” يشمل معارض النشر، ولقاءات المؤلفين، وورشات القراءة للأطفال والشباب.
ـ شراكات مع المكتبة الوطنية للمملكة المغربية والجامعات ومراكز البحث ومنظمة الإيسيسكو التي نعت الدكتور عباس الجراري وأبرزت دوره في إثراء المكتبة العربية.
إضافة إلى هذا كله ، ينبغي أن يحترم التصميم المعماري روح ” القامرة ” بوصفها معلمًا مرتبطًا بذاكرة الرباط ، بدل محو أثرها تمامًا. ويمكن الاحتفاظ بعناصر من المبنى أو تسمية الساحات والمداخل بأسماء تستحضر تاريخه كمحطة، مع لوحة تفسيرية تروي تحوله من فضاء للتنقل إلى فضاء للمعرفة. كما يُستحسن أن يكون المشروع مفتوحًا على محيطه الاجتماعي، لا أن يقتصر على النخبة الأكاديمية ؛ عبر أنشطة مجانية أو رمزية، وقاعات قراءة وبرامج مدرسية وورشات للكتابة والإنتاج الثقافي.
إن تحويل محطة “القامرة” سابقا إلى مركب الدكتور عباس الجراري الثقافي هو أبلغ انصافٍ لرجل وُصف بعميد الأدب المغربي، وأثمر عمرُه مائة مؤلف ودراسة في خدمة الفكر والثقافة والتراث. فبدل أن يبقى المكان شاهدًا على الإهمال، يصبح دارًا للكتاب والذاكرة والبحث، تحفظ مكتبة الجراري، وتنقل تجربته إلى الأجيال، وتضيف إلى الرباط معلمًا ثقافيًا يليق بمكانتها عاصمةً للمعرفة والتراث.





