ثقافة

الحي الجامعي بأسفي يستحضر ملحمة المسيرة الخضراء

ثقافة

د. منير البصكري الفيلالي

احتضنت رحاب الحي الجامعي بمدينة أسفي ، ندوة فكرية وطنية نظمتها إدارة هذه المؤسسة الجامعية تحت شعار “المسيرة الخضراء.. ملحمة الوحدة وتجديد العهد “وذلك بمناسبة الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء .

Image

استهل هذا الحفل بالنشيد الوطني ، أعقبته أشغال الندوة بمداخلة الأستاذ منير البصكري الفيلالي الذي تناول المسيرة الخضراء باعتبارها رمزا للوحدة الوطنية وتجسيدا لإرادة شعب اختار أن يدافع عن حقه بالسلام والحكمة، وبقيت إلى اليوم مرجعاً في الدفاع عن الوحدة الترابية للمغرب، ومصدراً لإلهام الأجيال في قيم المواطنة الحقة ..مبرزا أهم دلالاتها التاريخية والوطنية . فهي تجسيد للسيادة التاريخية للمغرب على الصحراء من خلال الاستناد إلى الروابط التاريخية والبيعة الشرعية بين القبائل الصحراوية والملوك العلويين. كما أنها تفعيل للحوار والسلم في استرجاع الأراضي حيث شكلت المسيرة نموذجاً لحل النزاعات بالطرق السلمية بعيداً عن الحرب .. وهي أيضا محطة حاسمة في إنهاء مرحلة الاستعمار وتثبيت الوحدة الترابية للمغرب في سياق تصفية الاستعمار الدولي خلال القرن العشرين.. مضيفا أن الدلالات الوطنية ، تتمثل في وحدة الشعب والعرش ، حيث  برهنت المسيرة على تلاحم المغاربة حول قضيتهم الوطنية بقيادة جلالة الملك ، ثم ترسيخ القيم الوطنية مثل التضحية، الإيمان بالحق، والانخراط في الدفاع عن الوطن بدون عنف ، إضافة إلى بناء مستقبل التنمية في الأقاليم الجنوبية من خلال مشاريع اقتصادية واجتماعية كبرى .

Image
من جهته، قدم الأستاذ عبد اللطيف بكور مداخلته حول قضية الصحراء المغربية التي تعتبر القضية الوطنية الأولى، وهي قضية الجميع ولها مكانة في وجدان المغاربة. فجلالة الملك منذ اعتلائه العرش، أطلق مشروعا مجتمعيا حداثيا وديمقراطيا من خلال إصلاحات كبيرة و مهيكلة وكذا مبادرات ذات مصداقية. وفيما يتعلق بمبادرة الحكم الذاتي، فمنذ تقديمها من طرف جلالة الملك محمد السادس سنة 2007 عرف ملف الصحراء خلال السنوات الأخيرة تطورا إيجابيا بفضل قدرة الديبلوماسية الوطنية المغربية على الصعيدين الإقليمي والدولي على الإقناع، فضلا عن جدية ومصداقية المقترح المغربي للحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية .
إن ملف الصحراء المغربية عرف على امتداد ثمانية عشر سنة (2007 – 2025) دينامية مهمة بعد فترة طويلة من الركود وغياب آفاق واضحة، كما مكن خيار الحكم الدولي الذي قدمه المغرب للمنتظم الدولي – والذي يعد حلا وسطا يقوم على قاعدة لا غالب ولا مغلوب، وصيغة وسطية توافقية تنظر إلى منطق الأشياء القائم على أرض الواقع، والمبني على السيادة والوحدة الترابية للمملكة، ومنح سكان الأقاليم الصحراوية صلاحيات واختصاصات واسعة في الميادين التشريعية والتنفيذية والقضائية لتدبير شؤونهم المحلية – مكن هذا الخيار من تعزيز موقف المغرب من خلال مكتسبات ملموسة على المستوى الإقليمي والدولي ومن خلال إشادة العديد من الدول الفاعلة بالمقاربة المغربية . بعد خمسين سنة من الكفاح          والنضال والتضحيات من أجل استكمال الوحدة الترابية، صدر القرار الأممي الأخير رقم 2797 المتعلق بقضية الصحراء المغربية، الذي انتصر للطرح المغربي المتمثل في اعتماد مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب سنة 2007. هذا القرار الذي صوتت عليه 11 دولة من مختلف القارات وامتناع ثلاث دول، يمثل تحولا جدريا ومنعطفا مصيريا في مسار القضية الوطنية، ويكرس المكاسب التي حققها المغرب بقيادة الملك محمد السادس على المستويين الدبلوماسي والسياسي .

       أيضا هذا القرار الأممي أعاد تثبيت المرجعية الأممية للحل السياسي القائم على الواقعية والتوافق – كما أسلفنا القول –  وهو في نفس الوقت تثبيت دبلوماسي لموقف دولي متصاعد لصالح المملكة المغربية بإشادته بالمجهودات المبذولة من طرف المغرب الجدية وذات المصداقية في إطار مبادرة الحكم الذاتي. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، هذا القرار يبرهن بما لا يدع مجالا للشك على استحالة بنيوية واستراتيجية لقيام دولة سادسة في شمال إفريقيا، كما يمثل تصحيحا لانزياحات سابقة في المقاربة الأممية، وتكريسا للصيغة الرباعية التي تضع الجزائر في موقعها الطبيعي كطرف رئيسي في النزاع. كما أن هذا القرار يمنع الجزائر من ما كانت تطمح إليه من إعادة طرح خيار الاستفتاء، الذي بات عمليا خارج النقاش منذ أكثر من عقد .كما أن هذه اللحظة، لحظة إصدار القرار الأممي الأخير، والذي أكد دون لبس جدية ومصداقية المبادرة المغربية للحكم الذاتي كحل وحيد وواقعي لهذا النزاع المفتعل، تفرض إجراء حوار بناء بين المغرب والجزائر لتجاوز إرث الخلافات والنزاعات المعطلة للطاقات والإمكانات، و الإنطلاق نحو بناء فضاء مغاربي  مندمج ومتكامل يستند إلى الإرث التاريخي المشترك، ويبنى على أسس التضامن والتعاون والتكامل الاقتصادي والثقافي لخدمة التنمية الاقتصادية والاجتماعية لشعوب المنطقة .وإذا كان الأمل هو تنزيل المبادرة المغربية للحكم الذاتي في الصحراء المغربية لتساهم في حل هذا المشكل حلا توافقيا ونهائيا، فإن النجاح الفعلي لهذا الخيار أو المشروع، يتوقف على عدة شروط ، نذكر منها التالي :

 أولا: تقديم مشروع حكم الذاتي – بعد تعديله طبعا كما قال جلالة الملك – لكافة مكونات المجتمع المغربي وفي مقدمتهم سكان الأقاليم الجنوبية، ليكون مجالا للتعايش والتداول البناء قبل اعتماده من طرف أية جهة؛

ثانيا: وجود جبهة داخلية واسعة مؤهلة للدفاع عن هذا الخيار سواء لدى سكان الجنوب أو لدى المنتظم الدولي، وفي هذا الإطار سيكون على الأحزاب السياسية ومكونات المجتمع المدني والجمعيات الحقوقية ومؤسسات الفكر والفاعلين الترابيين والأكادميين … إلخ، الإنكباب على تسويق مشروع المخطط المغربي للحكم الذاتي؛

ثالثا: الدراسة المسبقة للعناصر السوسيولوجية والسياسية والمؤسساتية للمنطقة، علاوة إلى العناصر الجيوسياسية والديمغرافية الموازية؛

رابعا: كما أن لحظة إصدار القرار الأممي باعتبارها لحظة معتبرة في مسار تطور الدولة المغربية، هي لحظة تستوجب إطلاق انفراج سياسي شامل، وفتح حوار وطني صادق حول الإصلاحات السياسية والمؤسساتية و الاجتماعية و الاقتصادية، مما يعزز مصداقية المملكة المغربية على المستوى الخارجي. فمبادرة الحكم الذاتي، كسياسة تدبيرية للترشيد والتنمية، وكنمط للتفكير والتخطيط الداعم للديمقراطية والجهوية المتقدمة، لا بد – لكي تكون منتجة وناجحة – أن تتوفر لها مجموعة من الشروط المسطرية والقانونية والتنظيمية والبشرية والعلمية والتقنية الضرورية، والمناخ السياسي والثقافي و الإجتماعي المناسب، أي مجمل المقومات الكفيلة بنقلها من الخطاب إلى الفعل، وتحويلها من مبادئ وقيم وأهداف وترتيبات إدارية واقتصادية و مسطرية إلى “ثقافة ممارسة”، أي إلى سلوك ديمقراطي وعملي متنفذ قائم على استلهام الشروط والمقومات المومأ إليها .
عموما ، فسكان الصحراء المغربية إذا منحوا حكما ذاتيا موسعا منبثقا عن انتخابات نزيهة وشفافة، فإن المنطقة ستشهد استقرارا ونهضة اقتصادية واجتماعية وثقافية مهمة تطفئ نار الفتنة التي يسعى الانفصاليون إلى إشعالها، بل أن هذا الحكم الذاتي المرتقب في الأفق المنظور، الممنوح على أسس ديمقراطية لساكنة الأقاليم الجنوبية سيكون ضربة لكل مخططات الجزائر وصنيعتها البوليساريو. إن الحكم الذاتي بحسب ما ذهب إليه أحد الباحثين المغاربة، إذا وضع بين أيادي صحراويين نزهاء أفرزتهم صناديق الاقتراع عن جدارة واستحقاق، كل ذلك سيكون حافزا ومشجعا لأغلبية الصحراويين بتندوف للالتحاق بأرض الوطن للعيش بكل أمان مع الأهل والأحباب .وبما أننا لا نملك تغيير الواقع وسلبياته، فلا بأس من أن نحلم بغد أفضل يكون أساسه العدالة والانفتاح والانصاف والتنمية والنظرة المتفائلة إلى المستقبل، نأمل ذلك عبر إرساء دعائم الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية كإطار سياسي يخرج النزاع من زوايا النظر القائمة على ثنائية المنهزم والمنتصر، خاصة وأن الأمين العام السابق “كوفي عنان” أعلن في تقرير صادر عن الأمم المتحدة، أن ثمة خيارين لا ثالث لهما لإيجاد حل لقضية الصحراء المغربية: إما الاستمرار في الوضع الحالي مع خطر الانزلاق والانحدار نحو العنف، وإما خيار التفاوض والحوار المباشر بين الأطراف المعنية أساسا بالقضية: المغرب و الجزائر .

بدوره، تناول الأستاذ سعيد الجدياني موضوعا عن ” تمثيلية مدينة أسفي في المسيرة الخضراء ” قائلا بإن تمثيلية مدينة آسفي في المسيرة الخضراء دليل على التلاحم الوطني بين العرش والشعب، وحضور آسفي كان نموذجاً للمواطنة الفاعلة والتعبير عن الانتماء للوطن. اليوم، تستمر المدينة في الاحتفاء بهذا التاريخ عبر تخليد الذكرى الخمسينية وإحياء صور وروابط أولئك المتطوعين الذين حملوا راية المغرب في واحدة من أعظم مسيرات التحرير السلمية في العالم . ضمن هذه الملحمة الوطنية، كان لمدينة آسفي حضور وازن ومشرف جسّد الحس الوطني العميق والالتزام بقضايا الوطن ووحدته الترابية .فمنذ الخطاب الملكي التاريخي يوم 16 أكتوبر 1975 الذي دعا فيه الحسن الثاني المغاربة للمشاركة في المسيرة الخضراء، عاشت مدينة آسفي أجواء تعبئة غير مسبوقة .. حيث أُنشئت لجان تنظيمية محلية بإشراف السلطات الإقليمية، لمواكبة عملية تسجيل المتطوعين ..فقد أقيمت في مساجد المدينة وفضاءاتها العامة لقاءات ودروسا حول الوحدة الوطنية وأهمية تحرير الصحراء .. مبرزا دور الإعلام المحلي الذي لعب دوراً كبيراً عبر الإذاعة الجهوية بآسفي والجمعيات الوطنية والحزبية والنقابية ..مؤكدا على أن شهادات المشاركين ووثائق أرشيفية توضح أنّ آسفي شاركت بعدد كبير من المتطوعين، من مختلف الفئات ، فكانت تمثيلية متوازنة ، وكانت الحماسة للانخراط في المسيرة تعبيراً عن ارتباط سكان آسفي بالقضايا الوطنية، خاصة أن المدينة تاريخياً لعبت أدواراً في المقاومة ضد الاستعمار.

Image
يشار إلى أن هذه الندوة تميزت بحضور مكثف للطالبات القاطنات ، جسد روح الوطنية العالية، كما تخللتها لحظات مؤثرة عقب إعلان البلاغ الملكي التاريخي القاضي بجعل يوم 31 أكتوبر عيدا وطنيا باسم “عيد الوحدة”؛ وهو القرار الذي لقي تفاعلا كبيرا وتصفيقا من الحاضرين والمشاركين داخل القاعة. ولعل ما ميز هذا الاحتفال ، تكريم متطوعين في المسيرة بأسفي ، يتعلق الأمر بالسيدة فاطمة الأنفاسي والسيد حسن القاسمي ، كما تميز بتقديم عرض مسرحي للطالبات القاطنات بعنوان : ” حاملين كتاب الله ” ، من إخراج الأستاذ رشيد ولد العبار ، إضافة إلى معرض حول المغفور له محمد الخامس وعلاقته بمدينة أسفي ، فضلا عن معرض تشكيلي يجسد هذه الاحتفالية بخمسينية المسيرة الخضراء .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × واحد =

MCG24

مجانى
عرض