من القيم النبيلة التي دعانا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأوصانا بها والحرص عليها في حياتنا ، أن نحسن إلى جيراننا سواء كانوا من عامة المسلمين أو من غير المسلمين . وقد استمرت الوصية المحمدية بالجار من جبريل عليه السلام لنبينا صلى الله عليه وسلم حتى ظن أنه سيورثه . وما ذاك إلا لعظم حق الجار . فعن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ” .
والجار والجيران في السيرة النبوية يحتلان مكانة عظيمة جدًا، فالنبي ﷺ أكد على حقوقهم بشدة، وربط الإحسان إليهم وكف الأذى عنهم بكمال الإيمان والنجاة من النار، بل وصل الأمر إلى وصية مستمرة من جبريل عليه السلام على حد ما سبق ذكره .
إن أبرز ما ورد في السنة النبوية عن الجار، الوصية المتكررة الشديدة بالجار .
فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بربط حسن الجوار بالإيمان ، ” من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره ” . وقال: “والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن“، قيل: من يا رسول الله؟ قال: ” الذي لا يأمن جاره بوائقه” أي شره وأذاه .
ومن ثمة أمر رسولنا الكريم بتحريم إيذاء الجار ولو بأمر يسير .. فقال ﷺ: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِ جاره ” و ” خير الجيران عند الله خيرهم لجاره ” كما قال حبيبنا المصطفى عليه السلام . فالجار الصالح من السعادة والجار السوء من الشقاء . وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” من سعادة المرء: الجار الصالح، والمركب الهنيء، والمسكن الواسع ” .
إن الناظر في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يجد أن حقوق الجار تشمل حتى غير المسلمين .والإسلام يأمر بالإحسان إلى الجار مطلقًا (مسلمًا كان أو غير مسلم)، كما في قوله تعالى: ” وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ ” والنبي ﷺ كان يتعامل مع جيرانه في المدينة (منهم يهود) بالعدل والإحسان.
لذلك ، فكف الأذى عن الجار واجب (حتى الدخان، الضجيج، إغلاق الباب في وجهه، النظر إلى عورته…) والإحسان إليه مستحب ومأجور عليه (زيارته في المرض، التعزية، مشاركته الطعام، مساعدته … )
فهذه الوصايا جزء أصيل من السيرة النبوية، وكان النبي ﷺ يطبقها عمليًا في حياته اليومية بالمدينة، فكان خير الجيران لجيرانه، ودعا أمته إلى ذلك ليصلح المجتمع ويتقوى الترابط بين الناس.
ففي السيرة النبوية الشريفة ، وردت بعض القصص والمواقف التي تُظهر عظمة حق الجار، وكيف كان النبي ﷺ يتعامل مع الجيران عمليًا، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، وكيف أرشد أصحابه إلى الصبر والإحسان حتى مع الأذى. من ذلك ، نذكر قصة الرجل الذي شكا جاره المؤذي إلى النبي ﷺ .فقد جاء رجل إلى النبي ﷺ يشكو جاره الذي يؤذيه (بالكلام أو الضرر أو الإيذاء المستمر). فأمره النبي ﷺ بالصبر.ثم عاد الرجل مرة ثانية يشكو ازدياد الأذى، فأمره النبي ﷺ بالصبر مرة أخرى.فلما عاد ثالث مرة، قال له النبي ﷺ: ” اذهب فاطرح متاعك في الطريق . ” . فخرج الرجل وألقى أثاث بيته ومتاعه في الطريق العام.. فجعل الناس يمرون ويسألونه: ما لك؟ فيقول: جاري يؤذيني، فأمرني رسول الله ﷺ أن أطرح متاعي في الطريق.فبدأ الناس يلعنون الجار المؤذي ويوبخونه، حتى شعر الجار بالخجل والندم، فجاء إلى صاحبه وقال: ارجع إلى دارك، والله لا أؤذيك أبدًا بعد اليوم.
فكان هذا درسًا عمليًا في كيفية الضغط الاجتماعي الحسن لإصلاح ذات البين دون عنف.
وهناك أيضا قصة عودة النبي ﷺ لجاره اليهودي المريض ، حيث كان للنبي ﷺ جار يهودي (في المدينة)، فمرض اليهودي (وفي بعض الروايات كان غلامًا يهوديًا يخدم النبي ﷺ ثم مرض ) فذهب النبي ﷺ يعوده، ومعه بعض أصحابه، وقال له: ” كيف أنت يا فلان؟ ” . ثم عرض عليه الإسلام مرة بعد مرة : ” اشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله.” فنظر اليهودي إلى أبيه (الذي كان حاضراً)، فسكت الأب في المرتين الأوليين، ثم في المرة الثالثة قال له الأب: قل ما يقول لك أبو القاسم أي النبي ﷺ ، فأسلم اليهودي، ثم مات بعد ذلك. فقال النبي ﷺ: ” الحمد لله الذي أعتق رقبة من النار بي ” .. ثم تولى النبي ﷺ غسله وتكفينه والصلاة عليه، وقال لليهود الذين أرادوا أن يتولوا أمره : ” نحن أولى به منكم ” . فهذه القصة تُظهر الإحسان البالغ للجار حتى وإن كان غير مسلم، والحرص على هدايته باللين والرحمة.
فما أحوجنا اليوم إلى التأسي بمثل هذه القيم النبوية النبيلة التي دعانا إليها رسولنا الكريم والتي جسدها ملكنا الهمام ـ حفظه الله ـ في خطابات عيد العرش وهو يتوجه بدعوته الصريحة للجزائر لحسن الجوار ، مؤكدا أن يده ممدودة لبناء علاقات أخوية متينة تستند إلى روابط الدم والمصير والتاريخ المشترك .. مما يعكس الحكمة والواقعية التي تربى عليها جلالته مستمدا أصولها من سيرة جده المصطفى عليه السلام .. حيث أكد التزام المغرب القوي بمبادئ حسن الجوار ، مشددا على روابط الأخوة والصداقة بين الشعبين المغربي والجزائري , مبرزا أن المغرب هو ذلك الجار الذي لا يمكنه أن يسيء إلى جاره.
يتبع..




