أولا / تمهيد:
أكدت الزاوية التهامية في سلا منذ أمد مدى حضورها النوعي في مشهد الزوايا في سلا، من خلال التضاريس المتنوعة في خارطة الجلسات الصوفية والفكرية، التي يحتضنها مقر الزاوية أو بيت الأسرة-دار الضمانة؛ بشكل لافت غير منحصر في قبضة المناسبات، حيث يكاد أن يغطي هذا الحضور العام كاملا.
كما رسخت في أعراف هاته الزاوية آلية الجمع المحمود في كل الجلسات، بين ما هو فكري توجيهي، وبين ماهو لحظات روحية، من خلال أداء المديح النبوي وسماع و أذكار …
.
وبهذا الانتظام تكون الزاوية التهامية قد أدت مهامها وهي تراهن على ما أسماه أبوحيان التوحيدي ب< الامتاع و الموانسة>، و دوما في تناغم مع صفاء الصوفية المغربية الحقة التي لم تشبها انزلاقات ولا انحرافات.
ثانيا/ محطة ذكرى المولد النبوي الشريف:
من باب السماء فوقنا، القول ان الزاوية التهامية ظلت تحقق التميز في الجلسات التي يتم تنظيمها طيلة شهر الربيع الأول، وهذا التميز لا ينحصر في عدد تلك الجلسات، و إنما يذهب بعيدا في كنه ملاءمة الجلسات مع خصوصيات كل سياق.
من هنا، نفهم دوافع واليات الإنجاز غير المسبوق الذي حققته الزاوية التهامية طيلة نهار وبضع ساعات من ليل يوم 30 الربيع الأول لعام 1448 (ه)- 16 شتنبر 2026 (م).
ثالثا/ مناسبة 15 قرنا على ميلاد النبي الرسول الأمين:
ماتم إنجازه في اليوم المذكور أعلاه، جاء كتتويج راق و ماتع للجلسات والأنشطة التي خلدت ذكرى مرور 15 قرنا على ميلاد النبي الرسول الأمين سيدنا محمد عليه أزكى الصلاة والتسليم.
ولأن الزاوية التهامية في سلا تدرك جيدا -كما تمت الإشارة سلفا- أهمية السياقات، فانها توفقت بفضل الله تعالى، في أن تحقق نقلة نوعية غير مسبوقة في هذا الحدث، حيث أعدت له -منذ مدة- برنامجا خاصا جدا شكلا ومضمونا.
رابعا/ الارتقاء الابتكاري في المضمون:
سيسجل التاريخ للزاوية التهامية في سلا، انها حققت التفرد (يوم 30 الربيع الأول)، بإعداد منظومة شعرية تتكون من 1500 سطر(بيت شعري) ، ما بين فصيح و زجل(براول)، وانها- الزاوية- قد توفقت في التوفيق بين نصوص قديمة متداولة و بين أخرى حديثة النظم.
ولقد شكلت هاته النصوص سلسلة من 15 محطة/ محور/ ، و الأكيد هو أن ترتيب هاته المحطات قد تطلب جهدا كبيرا حتى لا تتم إعادة بعض المضامين بأكثر من صياغة.
ولأن اكتمال الإمتاع في الأداء لن يتأتى إلا بإتقان الانتقال من طبع موسيقي ومن نظام إيقاعي الى اخر؛ فإن الزاوية التهامية بادرت -منذ مدة- إلى إعطاء القوس باريها الشيخ الشاب الأديب الفنان علي الرباحي، الذي سيظل الزخرف الأساس في فسيفساء المديح والسماع، رفقة الرموز الباذخة -على سبيل المثال- محمد التهامي الحراق، محمد عز الدين، أنس بنعبد الله،….وبطبيعة الحال ثلة الذين يشتغلون في الكواليس، وفي مقدمتهم الأستاذ ياسر التهامي الشاهدي، مهندس اللحظات البهية.
و لقد كان أن تم كل ما تم الرهان عليه
وكان التوفيق بالله تعالى، وهو المعطي المانع.
خامسا/ شكل الجلسة الممتدة في الزمن:
الابتكار في هذا الحدث شمل مدة الجلسة، إذ انها انطلقت ضحى وامتدت إلى منتصف الليل، مع التوقف طبعا لأداء صلوات الظهر، العصر، فالمغرب.
وقد يبدو في الوهلة الأولى امتداد الجلسة مشهدا عاديا، نعم، لكن الأهم هنا هو أن الزاوية التهامية، قد بادرت إلى هذا، لتقول ان الأليق بأمسيات العصر/ المغرب ،خلال شهر كامل ، هو أن تنتهي بذاك النهار، وأن يكون التتويج لحظة لإعلان افتتاح موسم جديد.
سادسا/ العبر المستخلصة و الآفاق الممكنة:
لقد تم هذا المنجز التهامي السلاوي، الفريد والرائد وطنيا، في غمرة
الجلسات الصوفية والأنشطة التي نظمتها جل الزوايا في سلا سيرا على العادة المرعية؛ وذلك وفق خصوصيات كل زاوية، مع التأكيد على أن ملامح المشترك بين هاته الزوايا (خاصة في هذه المناسبة)، هو الأكثر حضورا، مع استحضار ما قاله الإمام البوصيري: وكلهم من رسول ملتمس، غرفا من البحر أو رشفا من الديم.
هذا الأمر يتيح لنا من الان إمكانات تعميق الحديث التفاعلي، حول مشاهد التعبير الصوفي في زوايا سلا، انطلاقا من المناسبة الأكثر أهمية، وهي ذكرى المولد النبوي، اعتبارا للامتياز الذي تعرفه سلا منفردة، من خلال موكب الشموع.
و في انتظار أن تنضج شروط المقاربة الشمولية التي تحافظ على الخصوصية، فإنه من المفيد جدا أن تواصل كل زاوية في سلا المساعي الكريمة
لتنزيل أدوارها الروحية البناءة المثمرة؛ مع تفاعلها بالضرورة على اليات الحضور المنتظم وفق ما تقتضيه السياقات؛ و كذلك استثمار ما تتيحه التكنولوجيا التواصلية من جهة، وضرورة الجمع بين الجانب الروحي والجانب المعرفي والسعي المتواصل للارتقاء بعناصر الإمتاع؛ بحكم أن الأمر في آخر المطاف، هو
سحر المعاني الشعرية في مبانيها العروضية وعلاقتها بسحر الإيقاع الذي يزين فتنة سحر الجرس النغمي.
وأعود لأجزل كل الشكر والتقدير إلى الاستاذ ياسر التهامي الشاهدي، الذي يقود بكل اقتدار تدبير إنجازات الزاوية التهامية في سلا؛ وسيظل له الفضل في المقام الأول في هذا المنجز تخطيطا وتنسيقا و مواكبة في التنفيذ؛ كما هو الشأن في معظم ما سبقه من محطات، استطاعت بها الأسرة التهامية
فتح قفل باب يفضي الى أفق رحب.
هكذا هي رحلة إعلاء سقوف المنشود المأمول؛ لا يدشن المسير في منعرجاتها إلا ذوو عزم.




