نتناول في هذه الحلقة قيمة العدل والمساواة قيمة العدل والمساواة ، وهي من أعظم القيم وأساسيات الدين الإسلامي الحنيف الذي يجعل هذه القيمة مقصداً أساسياً من مقاصد الشريعة، كما أنه يقرر المساواة في جوانب معينة (كالتكاليف الشرعية، والثواب والعقاب، والحقوق الإنسانية الأساسية)، لكنه يفرق بين المساواة المطلقة (التي قد تؤدي إلى ظلم إذا طبقت على المختلفين) وبين العدل الذي يعطي كل ذي حق حقه حسب خصائصه ومسؤولياته.
لقد جعل الله العدل هدفاً من أهداف الرسالات السماوية كلها ،فقال تعالى : ” لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ” ..وهذا القسط أي العدل هو الغاية من إنزال الكتب وإرسال الرسل. وقال أيضا :” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ” . فالعدل حتى على النفس والأقربين.. وعلى المبغضين والأعداء في قوله تعالى : ” وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ” .
العدل يحقق الإنصاف والتوازن والرحمة .. وهو ما تجلى واضحا في سيرة نبينا الكريم . قال صلى الله عليه وسلم : ” اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُم ” العدل بين الأولاد في العطايا. كما قال ﷺ: ” النَّاسُ كَأَسْنَانِ الْمُشْطِ سَوَاسِيَةٌ” أي أن المساواة في الكرامة الإنسانية والحقوق ركيزة أساسية.
ثم إن العدل يراعي الاختلاف في الطبقات دون تمييز ظالم.. على حد قول الحق سبحانه في القصاص: ” الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى ” .
ومن ثمة ، كانت أهمية العدل والمساواة العادلة بين الناس ، بهما تتحقق الألفة والسلام ، ويمنع الظلم الذي يفسد الأرض.
لذلك ، فالعدل ليس مجرد شعار، بل نظام عملي يُطبق ليحقق الإنصاف والتوازن ويمنع الظلم الذي يفسد المجتمعات. والناظر فيسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يجد أن الرسول قد أمر بالتسوية بين الأبناء في العطايا والهبات، فقال: ” اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ ” . فمثلا إذا أعطى أبٌ أحد أبنائه سيارة أو مالاً، يجب أن يعطي الآخرين مثله قدر الإمكان، ليمنع الحقد والشقاق، فالتفريق يولد كراهية وانقساماً أسرياً.
كذلك الأمر بالنسبة للعدل بين الزوجات في الزواج ، إذ التسوية في النفقة والسكن والمبيت والكسوة، وعدم الإهمال أو التمييز الظاهر الذي يؤذي إحداهن (كالإقامة عند إحداهن أكثر دون عذر)، حتى لو كان الحب القلبي غير قابل للتسوية.قال تعالى: “فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً “، وقال: ” وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ” .
أيضا ، هناك العدل في الحكم والقضاء ،فقد قال تعالى: ” وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ “.
فقد رفض النبي صلى الله عليه وسلم الشفاعة في حد السرقة لامرأة من بني مخزوم (من أشراف قريش)، وقال: ” إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ… وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا “. فلا تمييز بين غني وفقير، أو قريب وبعيد، أو مسلم وغير مسلم في الحقوق القانونية.
يشمل العدل كذلك ، المعاملات المالية والاقتصادية ، كمنع الغش والتطفيف: ” وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ” .
وبنا عليه ، على التاجرأن يزن بالميزان الصحيح، ويعطي الأجرة كاملة، ويمنع الربا والاحتكار، ويؤدي الزكاة لتقليل الفجوة بين الطبقات، مما يحقق توزيعاً عادلاً للثروة.
بل إن العدل يشمل الأعداء والمخالفين . قال تعالى: “وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى “. وهنا نستحضر ما جاء في سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام في معاملة أهل الذمة بالعدل في الحقوق المدنية، دفع الجزية مقابل الحماية، وعدم الظلم في المعاملات.
إضافة إلى ما سبق ، العدل في الحكم والإدارة العامة .. فقد قال النبي ﷺ: “الْمُقْسِطُونَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ “. مما يقوي الولاء والاستقرار الاجتماعي من خلال محاسبة المقصرين دون محاباة، ومنع الفساد والرشوة.
وهكذا يتبين أن العدل في المجتمع الإسلامي يبدأ من الفرد (العدل مع النفس والأقربين) ويمتد إلى الأسرة والمجتمع والدولة، فيحقق الأمان والرخاء والألفة، ويمنع الفتن والظلم. فهو إذن ، قيمة عليا في الإسلام، مطلقة وواجبة، تحقق الإنصاف والتوازن، بينما المساواة تكون مطلوبة فقط فيما تساوى فيه الناس، أما في الاختلاف فالعدل هو الذي يعطي كل فرد حقه حسب فطرته ومسؤوليته. فمن أراد التقوى والفلاح فليعدل، قال تعالى : “اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى “.




