
إحياء القيم النبوية بعد مرور خمسة عشر قرنًا على ميلاد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم – الحلقة التاسعة والعشرون
إعداد : ذ. منير البصكري الفيلالي / أسفي

نخصص هذه الحلقة من حلقات إحياء القيم النبوية بعد مرور خمسة عشر قرنا على ميلاد رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم لقيمة عظيمة ، تعد من أبرز القيم الأخلاقية في سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، حيث كان قدوة فيه رغم علو منزلته كرسول الله. يظهر ذلك في أفعاله اليومية وتعاليمه، مما يجعله نموذجًا للمسلمين في التعامل مع الآخرين.
حديثنا إذن عن التواضع . قال صلى الله عليه وسلم: “إنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ“. وقال أيضًا: “مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ” .
فهذه الأحاديث تُبرز أن التواضع سبب للرفعة والعزة عند الله. ومن صور التواضع في السيرة المحمدية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخدم نفسه في بيته، يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويشارك أهله الأعمال المنزلية، كما روت عائشة رضي الله عنها: “كَانَ بَشَرًا مِنَ الْبَشَرِ، يَفْلِي ثَوْبَهُ، وَيَحْلِبُ شَاتَهُ، وَيَخْدُمُ نَفْسَهُ“.
ومن ثمة ،فالتواضع خلقً عظيمً يُحسِّن حياة المسلم اليومية، حيث يجلب البركة والسكينة في التعاملات اليومية مع الله والناس.. كما يُقرِّب التواضع العبد من الله تعالى، ويُرفع درجته في الدنيا والآخرة، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: “مَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ“.إ
إضافة إلى ذلك ، يُنمي الخشوع والرضا بما قسمه الله، مما يُخفف الهموم ويُعزز الإيمان اليومي ، حيث يُولِّد الرحمة واللين في المعاملات اليومية، مثل مساعدة الجيران أو التعامل مع الزملاء دون غرور. كما يجعل المسلم محبوبًا بين الناس، يُصلح ذات البين في العمل والأسرة والمجتمع، فالمتواضع يُجيب الدعوة ويتقبل الهدية ببساطة.
لذلك ، فإن ممارسة التواضع في العمل أو الدراسة من خلال سلوكيات بسيطة مستمدة من السنة النبوية ، مثل الاستماع أكثر من الكلام والاعتراف بالخطأ عند الحاجة.. كل هذا يعزز التعاون والنجاح دون غرور .
يظهر التواضع بوضوح في السيرة النبوية في كيفية تعامل النبي محمد صلى الله عليه وسلم مع أصحابه والناس، مما يقدم نماذج حية لبناء علاقات قوية ومستدامة.
فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس بين أصحابه كواحد منهم، فلا يُعرف مجلسه، ويبدأ بالجلوس حيث ينتهي إليه المجلس، مما يعلم التواضع في العلاقات الاجتماعية دون تفاخر. وهذا السلوك بنى ثقة الصحابة به، وجعلهم يشعرون بالمساواة رغم منزلته العالية.
من حسن تواضعه أيضا ، أنه وقف لامرأة في الطريق حتى قضى حاجتها، وسلم على الصبيان وداعبهم، كقوله لصبي: “يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟” عن عصفوره، مما خلق علاقات أسرية واجتماعية دافئة.
نذكر أيضا أنه صلى الله عليه وسلم ، حمل الحطب مع الصحابة في حفر الخندق، وخدم نفسه في بيته، فأصبح قدوة في التعاون والاحترام المتبادل.
لنتذكر إذن قول النبي صلى الله عليه وسلم: “مَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ“، فالتواضع يجلب البركة في الإنجازات.. ويساعد في بناء علاقات عمل قوية من خلال تعزيز الثقة والتعاون بين الناس، كما يظهر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يجلس مع أصحابه كواحد منهم.
الإنسان المتواضع يظهر في سلوكه ومعاملاته انفتاحًا على الآراء والنقد، مما يبني ثقة بناءة وحقيقية ، كما يقلل من التوترات، فالمتواضعون يعترفون بأخطائهم ويقدرون مساهمات الآخرين. وهذا مجلبة للخير ، مما يساعد على خلق بيئة إيجابية تشجع على الولاء والالتزام، ويُحَفِّزُ على مشاركة الأفكار بحرية ، حيث يشعر الزملاء بالتقدير فتتحسن الإنتاجية والإبداع في المشاريع.






















