
في ظل سياق دولي يتسم باستمرار التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، يختار بنك المغرب اعتماد خطاب متوازن يجمع بين الحذر والاطمئنان. وخلال اجتماعه الأخير للسياسة النقدية في مارس 2026، قرر البنك المركزي الإبقاء على سعر الفائدة الرئيسي في حدود 2.25%، مؤكداً بذلك توجهه الحذر في مواجهة بيئة خارجية غير مستقرة.
وبعيدا عن القرار التقني، يبرز بالأساس مضمون الرسالة الموجهة إلى الفاعلين الاقتصاديين، حيث يؤكد البنك على متانة الأسس الاقتصادية للمغرب، مع الإشارة إلى ضرورة أخذ المخاطر الخارجية بعين الاعتبار.
قراءة متوازنة للمخاطر
في تحليله، يشير بنك المغرب إلى أن الاقتصاد المغربي يظل متسماً بالمرونة، مدعوماً بدينامية انتعاش تدريجية وتراجع ملحوظ في معدلات التضخم. ومن المتوقع أن يبلغ معدل النمو حوالي 5.6% سنة 2026، بعد نحو 4.8% في 2025، خاصة بفضل تحسن الأداء الفلاحي.
في المقابل، عرف التضخم تباطؤاً ليستقر في حدود 1%، بعد الارتفاعات المسجلة خلال السنوات الماضية، ما يعكس عودة تدريجية لاستقرار الأسعار.
غير أن هذه الدينامية تبقى رهينة بعوامل خارجية، خصوصاً تطور أسعار المواد الأولية في ظل التوترات الجيوسياسية.
ويظل الخطر الرئيسي متمثلاً في التضخم المستورد، حيث قد يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى إعادة الضغوط التضخمية، مع انعكاسات مباشرة على تكاليف الإنتاج والقدرة الشرائية.
رسالة ثقة موجهة للأسواق
في هذا الإطار، يفضل البنك المركزي اعتماد مقاربة تدريجية، وتفادي أي ردود فعل مفرطة قد تؤثر على رؤية الفاعلين الاقتصاديين. ويعكس الإبقاء على سعر الفائدة رغبة في الحفاظ على شروط تمويل ملائمة وتعزيز ثقة المستثمرين.
كما تستند هذه المقاربة إلى مؤشرات خارجية مريحة نسبياً، حيث تفوق احتياطات العملة الصعبة 480 مليار درهم، بما يغطي أكثر من 5 أشهر من الواردات، فيما يظل عجز الحساب الجاري في حدود 3% من الناتج الداخلي الخام.
الهدف واضح: إرسال إشارات استقرار دون إغفال حجم التحديات، أي الطمأنة دون الوقوع في خطاب مقلق.
توازنات تحتاج إلى يقظة
على المستوى الميزانياتي، قد تؤدي تقلبات أسعار الطاقة إلى الضغط على المالية العمومية، خاصة عبر نفقات دعم بعض المواد الأساسية، ما يفرض تدبيراً دقيقاً للتوازنات الاقتصادية.
كما يظل معدل البطالة في حدود 13% من بين المؤشرات التي تستوجب المتابعة، إلى جانب حاجيات تمويل الاقتصاد الوطني.
سياسة ترقب استراتيجية
في ظل هذه الظرفية المتقلبة، يؤكد بنك المغرب اختياره لنهج قائم على الترقب. وستظل القرارات المستقبلية مرتبطة بتطورات الوضع الجيوسياسي، خاصة أسعار النفط في الأسواق الدولية.
ويجدد البنك في هذا السياق تأكيده على هدف أساسي: الحفاظ على الاستقرار الماكرو-اقتصادي ومواكبة الاقتصاد الوطني في بيئة عالمية غير مستقرة.
في العمق: الحفاظ على الثقة
أكثر من مجرد قرار تقني، تندرج هذه المقاربة في إطار تدبير توقعات الفاعلين الاقتصاديين. فمن خلال إبراز متانة المؤشرات — نمو مستدام، تضخم متحكم فيه، واحتياطات مريحة — مع الدعوة إلى الحذر، يسعى البنك إلى الحفاظ على عنصر أساسي: الثقة.
وهي الثقة الضرورية لامتصاص الصدمات الخارجية وضمان استمرار المسار الاقتصادي للمغرب في ظل التحديات الدولية الراهنة.






















