
بين التربية والقيم المجتمعية: امتحان في مادة اللغة الفرنسية يفتح نقاشًا جديدًا حول المساواة وصورة المرأة في المغرب

أعاد سؤال ورد ضمن امتحان اللغة الفرنسية الخاص بالامتحان الجهوي الموحد لنيل شهادة البكالوريا بجهة الشرق فتح واحد من أكثر النقاشات المجتمعية حساسية في المغرب، بعدما طُلب من المترشحين مناقشة رأي يعتبر أن “المرأة وُجدت فقط من أجل الزواج والإنجاب”، وهو ما أثار موجة واسعة من التعليقات والتفاعلات على منصات التواصل الاجتماعي، بين من اعتبر أن مجرد طرح مثل هذا التصور داخل امتحان رسمي يعكس استمرار حضور بعض التمثلات التقليدية تجاه المرأة، وبين من رأى أن الامتحان لا يعكس موقفا مؤسساتيا بقدر ما يهدف إلى اختبار قدرات التلاميذ على التفكير النقدي والحجاج وبناء المواقف الشخصية.
ولم يقتصر الجدل على الفضاء الرقمي فقط، بل امتد إلى أوساط تربوية وحقوقية وأكاديمية رأت في السؤال فرصة للكشف عن حجم التوتر القائم داخل المجتمع المغربي بين منطقين متوازيين الأول يستند إلى تمثلات اجتماعية محافظة ما تزال تربط وظيفة المرأة الأساسية بالأسرة والزواج والأمومة، والثاني يستند إلى التحولات العميقة التي شهدتها المملكة خلال العقود الأخيرة والتي جعلت المرأة حاضرة بقوة في مختلف مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والإدارية والعلمية والثقافية.
وبين هذين التصورين، يجد النظام التربوي نفسه في قلب معركة رمزية تتجاوز مجرد سؤال امتحاني لتلاميذ السنة الأولى بكالوريا، لتلامس طبيعة المجتمع الذي يسعى المغرب إلى بنائه، والقيم التي يرغب في ترسيخها لدى الأجيال الصاعدة.
فالقراءة البيداغوجية للسؤال تظهر أن الأمر لا يتعلق بالدعوة إلى تبني الفكرة أو التسليم بها، وإنما بمناقشتها وتحليلها وتقديم الحجج المؤيدة أو المعارضة لها فالامتحانات اللغوية في مختلف الأنظمة التعليمية الحديثة تعتمد في كثير من الأحيان على مواضيع جدلية وخلافية لأنها تسمح بقياس قدرات المتعلم على التفكير المستقل وتحليل الأفكار وصياغة المواقف واستعمال أدوات الحجاج والإقناع، بدل الاكتفاء باسترجاع المعلومات وحفظها.
غير أن النقاش الذي أثاره السؤال يكشف في العمق أن قضية المرأة ما تزال تحتل موقعا مركزيا داخل النقاش العمومي المغربي، وأن مسار التغيير الذي عرفته البلاد خلال العقود الماضية لم ينجح بعد في القضاء بشكل كامل على بعض الصور النمطية المتجذرة في الوعي الجماعي.
فالمغرب الذي يتحدث اليوم عن تمكين النساء وعن المناصفة وعن تعزيز المشاركة السياسية والاقتصادية، هو نفسه المجتمع الذي ما تزال بعض مكوناته تنظر إلى المرأة من زاوية أدوارها الأسرية التقليدية باعتبارها زوجة وأما بالدرجة الأولى وهذه المفارقة ليست حكرا على المغرب وحده بل تطرح في أغلب المجتمعات التي تعرف انتقالا تدريجيا من أنماط اجتماعية تقليدية نحو أنماط أكثر حداثة وانفتاحا.
ويأتي هذا الجدل في ظرفية خاصة تتسم بحركية قوية حول قضايا الأسرة والمرأة والمساواة، خصوصا بعد النقاشات الكبيرة التي رافقت ورش مراجعة مدونة الأسرة والتي كشفت حجم التباين القائم داخل المجتمع حول عدد من القضايا المرتبطة بالأدوار الاجتماعية للنساء والرجال والولاية الشرعية والحقوق الاقتصادية داخل الأسرة والحضانة والإرث وغيرها من الملفات التي أثارت نقاشا عموميا غير مسبوق.
وقد أظهرت تلك النقاشات أن المغرب يعيش مرحلة إعادة تفاوض مجتمعي حول طبيعة العلاقات داخل الأسرة ومكانة المرأة داخل الفضاءين الخاص والعام وهو ما يجعل أي موضوع مرتبط بهذه القضايا قادرا على إثارة ردود فعل قوية ومتباينة.
وفي هذا السياق، يكتسب الفضاء المدرسي أهمية خاصة باعتباره أحد أهم الفضاءات التي يتم داخلها إنتاج القيم الاجتماعية ونقلها وإعادة تشكيلها فالمدرسة ليست مجرد مؤسسة لتلقين المعارف وإنما فضاء لتكوين المواطن وإعداده للمشاركة في الحياة العامة وتدريبه على التفكير النقدي والتعبير عن الرأي واحترام الاختلاف.
ولهذا السبب يرى العديد من المختصين في علوم التربية أن من واجب المدرسة طرح المواضيع التي تثير الجدل داخل المجتمع ليس من أجل فرض موقف معين بشأنها وإنما من أجل تمكين المتعلمين من أدوات التفكير والتحليل التي تسمح لهم بتكوين آرائهم الخاصة بشكل واع ومسؤول.
ويكتسي هذا النقاش أهمية أكبر إذا ما استحضرنا حجم التحولات التي عرفها حضور المرأة المغربية خلال السنوات الأخيرة فاليوم لم تعد المرأة مجرد فاعل هامشي داخل الحياة العامة، بل أصبحت تتولى مناصب قيادية في الإدارة العمومية والمؤسسات الدستورية والهيئات المنتخبة والشركات الكبرى والجامعات ومراكز البحث العلمي والمؤسسات القضائية والدبلوماسية.
كما برزت خلال السنوات الأخيرة نماذج نسائية مغربية حققت حضورا لافتا في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد وريادة الأعمال والرياضة والفنون والإعلام وهو ما ساهم في تغيير جزء من الصورة التقليدية التي ظلت لعقود طويلة تحصر المرأة في أدوار محددة سلفا.
وتنسجم هذه التحولات مع الاختيارات الدستورية للمملكة، حيث نص دستور 2011 على مبدأ المساواة بين النساء والرجال وعلى سعي الدولة إلى تحقيق المناصفة، كما تم إحداث هيئة المناصفة ومكافحة جميع أشكال التمييز، فضلا عن إطلاق عدد من الاستراتيجيات والسياسات العمومية الرامية إلى تعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للنساء.
كما أن الخطابات الملكية المتعاقبة أكدت بشكل واضح أن النهوض بأوضاع المرأة لا يشكل مطلبا حقوقيا فقط، بل يمثل أيضا رهانا تنمويا واستراتيجيا، بالنظر إلى الدور الذي تضطلع به النساء في الاقتصاد وفي التنمية البشرية وفي استقرار الأسرة والمجتمع.
وفي الإطار نفسه، تواصل المؤسسات العمومية العمل على تغيير التمثلات الاجتماعية المرتبطة بالمرأة، من خلال برامج ومبادرات تستهدف تعزيز المشاركة النسائية في الحياة العامة ومن بين هذه المبادرات الحملة الوطنية الأولى لتعزيز مشاركة النساء في الحياة العامة التي أطلقتها وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة خلال شهر ماي الماضي، والتي تروم المساهمة في تغيير الصور النمطية السائدة حول أدوار النساء وتشجيع حضورهن في مواقع القرار والمسؤولية.
لكن رغم كل هذه التحولات، فإن الجدل الذي أثاره سؤال الامتحان الجهوي كشف أن معركة تغيير العقليات ما تزال طويلة ومعقدة فالقوانين والسياسات العمومية قادرة على إحداث تغييرات مؤسساتية مهمة غير أن تغيير التمثلات الاجتماعية والثقافية يحتاج إلى زمن أطول وإلى عمل متواصل تشارك فيه المدرسة والأسرة والإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية.
ومن هذه الزاوية بالذات، يبدو أن أهمية السؤال الامتحاني لا تكمن فقط في مضمونه الظاهر، بل في كونه نجح في إعادة طرح أسئلة أعمق تتعلق بصورة المرأة داخل المجتمع المغربي وحدود التغيير الذي عرفته هذه الصورة خلال العقود الأخيرة، ومدى قدرة المؤسسات التربوية على المساهمة في بناء جيل جديد يتعامل مع قضايا المرأة والمساواة بمنطق التفكير النقدي لا بمنطق الأحكام الجاهزة.






















