سياسة

إشكالية تعزيز المشاركة السياسية للشباب … اللقاء الأول

سياسة

اللقاء الأول

“بعد سنوات من العمل الميداني، أصبحت أكثر اقتناعاً بأن الشباب المغربي لا يرفض السياسة في حد ذاتها، وإنما يرفض سياسة لا يشعر بأنها تعنيه أو تستجيب لتطلعاته”

عبد اللطيف أفلا

يمكننا الحكم يقينا، ودون أدنى مجازفة بأن العام 2026، هو العام الأول في تاريخ المغرب السياسي، الذي عرف فيه الحديث عن المشاركة السياسية للشباب، اهتماما أكبر، خاصة إشكالية عزوفه وفقدانه الثقة في صناعة القرار والسياسات العمومية، وأخذ انشغالاته وآفاقه على محمل الجد داخل وخارج المؤسسة التشريعية.
ومن أثقل الأحداث التي فرضت نقاشات التعبير والمشاركة السياسية لدى الشباب، هي حينما روعت حراكات جيل “زد” –العنيفة منها- كل الأوساط، كونها خرجت بمطلبها الثنائي “الصحة والتعليم” دون أن يكون لها انتماء سياسي ولا جمعوي ولا نقابي، قالبة قاعدة ومساطير المسيرات المرخصة.

ولأن قضية العزوف السياسي في أوساط الشباب، هي قضية متشعبة، للإحاطة بها بموضوعية، لابد من الاشتغال عليها في كثير من الاتجاهات، سياسيا، ثقافيا، أكاديميا، تربويا، أسريا، و دينيا كذلك.

اختار الموقع الإخباري MCG24، سلك طريق الإحاطة الشاملة بالإشكالية، فحاور عددا من الشخصيات السياسية، والجمعوية، والأكاديمية، والثقافية والدينية، لنقاش كهوف الهم الذي بات كاللغز في متاهة الفراغ، ونحن ندنو يوما بعد يوم من 23 شتنبر، الحاكم الأخير على حجم وتأثير العزوف عن التصويت.

في أول حوار لنا، استضفنا عارفا ومُلِمًّا بهذا القلق، وهذه المسألة المعقدة نوعا ما، كونه راكم تجربة ميدانية في المخيمات، والقوافل، والورشات التكوينية، وبرامج تأطير الشباب بعدد من المدن والمناطق المغربية.. هو الفاعل الجمعوي، الأستاذ أبرباش الهاشمي.
والمحور الرئيس في هذا اللقاء الأول:
“دور فعاليات المجتمع المدني في محاربة العزوف السياسي وإشراك الشباب في الانتخابات بالمغرب”

Image

يقول الأستاذ أبرباش:
عندما يقول الشباب: “الصندوق ماشي ديالي”
“خلال أحد اللقاءات التكوينية بإقليم إفران، وجهت سؤالا مباشرا إلى مجموعة من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و25 سنة: “هل شاركتم في الانتخابات الأخيرة؟”
لم تكن الإجابات مختلفة كثيرا، بل كانت تعكس شعورا جماعيا متشابها:
“لا علاقة لنا بالسياسة”
“كل شيء محسوم مسبقاً”
“حتى لو صوتنا فلن يتغير شيء”
لم تكن تلك الكلمات تعبيرا عن اللامبالاة بقدر ما كانت نتيجة تراكم سنوات من فقدان الثقة، واتساع الفجوة بين القرار السياسي والواقع اليومي الذي يعيشه الشباب.”

ومن بداية حديثه معنا، والذي استشهد فيه بالواقع، سطر ضيفنا على أن الدور الحيوي للمجتمع المدني يبرز في اعتباره مدرسة للمواطنة، وفضاء لتكوين المواطن الواعي قبل دعوته إلى صندوق الاقتراع، وليس باعتباره بديلا عن الأحزاب السياسية.

وكون الأستاذ الهاشمي فاعل جمعوي نشط، راكم تجربة ميدانية في كثير من الأماكن والمناسبات في جميع مدن المغرب، ويحمل نفس الهم ويشتغل عليه أينما حل وارتحل، فإنه يسعى من خلال استضافتنا له تقديم قراءة عملية لهذا الدور، انطلاقاً من الواقع لا من التنظير.

سؤال: تقولون بأن العزوف السياسي، هو أزمة ثقة قبل أن يكون عزوفا عن التصويت، كيف ذلك؟
جواب:
“أثبتت اللقاءات الميدانية أن عزوف الشباب عن المشاركة السياسية لا يرتبط بالكسل أو اللامبالاة، بل يعود إلى مجموعة من الأسباب العميقة والمتداخلة.
أولها غياب العلاقة الواضحة بين التصويت والحياة اليومية، فالكثير من الشباب لا يدرك كيف يؤثر صوته الانتخابي في قضايا النقل، والتشغيل، والسكن، والتعليم، والخدمات الأساسية، لأن السياسة تقدم له غالبا باعتبارها صراعا بين النخب، لا وسيلة لتحسين جودة الحياة.”

وتابع المحاوَر مُجيبا : “أما السبب الثاني فيتمثل في أزمة الثقة، حيث أصبح شعار “كلهم بحال بحال” يعبر عن قناعة راسخة لدى فئات واسعة من الشباب، نتيجة تراكم الوعود غير المنجزة والصورة السلبية التي التصقت بالعمل السياسي.”

وأضاف الهاشمي إلى النقطتين السابقتين، ضعف التنشئة السياسية، إذ لا توفر المدرسة والجامعة فضاءات كافية لترسيخ ثقافة المواطنة والمشاركة، بينما أصبحت الأسرة في كثير من الأحيان تتجنب الحديث في السياسة، أو تقدمه بصورة سلبية تدفع الأبناء إلى النفور منه –على حد قوله-

واعتبر الفاعل الجمعوي أن لغة الخطاب السياسي نفسها تشكل عائقاً إضافيا، فمعظم البرامج الانتخابية يقول، تُصاغ بلغة تقنية معقدة، بعيدة عن اهتمامات الشباب وطريقة تواصلهم.

وحول هذه النقطة تحديدا، وضح ضيفنا، بأن المجتمع المدني يبرز دوره باعتباره الفاعل الأقرب إلى الشباب، والأقدر على مخاطبتهم بلغتهم، داخل فضاءاتهم، ومن خلال اهتماماتهم اليومية.

عرض لنا الفاعل في مجال الشباب والسياسة نقطة أخرى، فصل فيها كيف يصنع المجتمع المدني الفرق، حينما يوضح الطريق من التوعية إلى التمكين.
“التجربة الميدانية أظهرت أن الحديث المباشر عن الانتخابات لا يحقق الأثر المطلوب، بينما يكون الانطلاق من قضايا الشباب اليومية أكثر فاعلية.

ففي إحدى الورشات التكوينية بمدينة فاس حول إعداد المشاريع، انصب النقاش في البداية على صعوبات التمويل والاستثمار، قبل أن يُطرح سؤال بسيط: “من الذي يصادق على قانون المالية الذي يحدد الضرائب والدعم العمومي؟
حينها فقط أدرك المشاركون أن القرار الانتخابي يرتبط بشكل مباشر بمستقبل مشاريعهم وحياتهم المهنية. “

وذكر الأستاذ الهاشمي بأحد اللقاءات بمدينة مكناس، التي أثبتت بحسب تجربته الشخصية فيها، نجاعة ورشات المحاكاة الديمقراطية في تقريب الشباب من آليات اتخاذ القرار، حيث تولى المشاركون أدوار منتخبين ومسؤولين محليين، وناقشوا ميزانية افتراضية لجماعتهم الترابية، قبل أن يصوتوا على أولويات الإنفاق.

أضاف السيد أبرباش بخصوص ذلك.
“انتهت التجربة بقناعتين أساسيتين: الأولى أن تدبير الشأن العام مسؤولية معقدة تتطلب الحوار والتوافق، والثانية أن الغياب عن المشاركة يعني ببساطة ترك الآخرين يتخذون القرار نيابة عنك.”

وكشف الفاعل الجمعوي أيضا أنه من بين المبادرات التي كان لها أثر إيجابي، هو تنظيم لقاءات مباشرة بين الشباب ومنتخبين شباب في فضاءات مفتوحة بعيدا عن البروتوكول والكاميرات. حيث ساهم هذا النوع من الحوار، وفق حديثه، في كسر الصور النمطية، وتعزيز الإحساس بأن الوصول إلى مواقع المسؤولية يظل ممكنا عبر المشاركة الديمقراطية.

وشدد الأستاذ الهاشمي على أهمية وضرورة أخذ العصر الرقمي بعين الاعتبار كآلية لكسر الحاجز الوهمي والخطير في نفس الآن بين الشباب والسياسة من خلال الاعتبار على وسائل التواصل الاجتماعي لتبليغ الرسائل
“في العصر الرقمي، أصبح من الضروري استثمار وسائل التواصل الاجتماعي مثل تيك توك، وإنستغرام، وفيسبوك، ويوتيوب لإنتاج محتوى سياسي مبسط، يقدم المعلومة بلغة قريبة من الشباب، من خلال فيديوهات قصيرة ومحتوى تفاعلي يربط السياسة بالحياة اليومية.”

واستعرض مُستوجب MCG24، التحديات التي تواجه تحسن رغبة الشباب في الترشح لانتخابات المجالس الطلابية والجمعيات، بفضل العمل التوعوي الذي أظهرت التجارب الميدانية قدرته على إحداث تحول تدريجي في مواقف الشباب، بعدما تحول النقاش لدى فئة مهمة بحسبه من فكرة “السياسة مجال فاسد” إلى سؤال أكثر إيجابية: “كيف نغيرها من الداخل؟”
أولها: موسمية المبادرات، إذ يزداد الاهتمام بالتوعية السياسية قبيل الانتخابات فقط، بينما تتراجع الأنشطة خلال باقي السنوات، في حين أن بناء المواطنة عملية مستمرة لا ترتبط بالمواعيد الانتخابية.

ثانيها: ضعف التنسيق بين الجمعيات، مما يؤدي إلى تشتت الجهود وغياب التراكم المؤسساتي، وهو ما يستدعي التفكير في إنشاء شبكة وطنية لتبادل التجارب والخبرات.
أما التحدي الثالث فيتعلق بما يمكن تسميته بـ”فجوة الأمل”، حيث ينتظر الشباب نتائج سريعة بعد مشاركتهم، وعندما لا يلمسون أثراً مباشراً يعود الإحباط ويتجدد العزوف، وهو ما يجعل استعادة الثقة رهينة بوجود نماذج سياسية ناجحة وقريبة من المواطنين.

وعلى مرفئ رسو سفينة إبحارنا مع الفاعل الجمعوي، الأستاذ الهاشمي في اتجاهات مولدات الهجر الشبابي للسياسة، اقترح انطلاقا من تجربته الميدانية، عددا من التوصيات العملية –يقول-، إلى 4 جهات من أجل التعزيز الفعلي للمشاركة السياسية لهاته الفئة العمرية من المواطنين.

أولا: إلى وزارة الشباب والثقافة والتواصل
ينبغي إدماج التربية على المواطنة والمشاركة السياسية ضمن البرامج السنوية لدور الشباب، مع تخصيص آليات دعم مستدامة للجمعيات التي تشتغل في مجال التأطير المدني والسياسي المحايد، وإحداث صندوق وطني لدعم المبادرات الشبابية المواطنة وفق معايير واضحة وشفافة.

ثانيا: إلى الأحزاب السياسية
يتطلب الأمر فتح فضاءات الأحزاب أمام الشباب طيلة السنة، وإشراكهم في التكوين والحوار وصناعة القرار، مع اعتماد خطاب سياسي مبسط يستثمر الوسائط الرقمية ويقدم برامج عملية تلامس انتظاراتهم.

ثالثا: إلى فعاليات المجتمع المدني
تظل الحاجة ملحة إلى تعزيز التنسيق بين الجمعيات، وتبادل التجارب الناجحة، والانتقال من المبادرات الموسمية إلى برامج مستدامة ترسخ ثقافة المواطنة طوال السنة.

رابعا: إلى وسائل الإعلام
من الضروري منح مساحة أكبر لتجارب الشباب الناجحين في تدبير الشأن العام، وتسليط الضوء على النماذج الإيجابية، بما يعزز الثقة ويشجع على المشاركة بدل تكريس الصورة السلبية عن السياسة.

وختم ضيفنا الأستاذ أبرباش الهاشمي تحليله بالقول:
“الشباب ليس المشكلة… بل هو مفتاح الحل”
“بعد سنوات من العمل الميداني، أصبحت أكثر اقتناعاً بأن الشباب المغربي لا يرفض السياسة في حد ذاتها، وإنما يرفض سياسة لا يشعر بأنها تعنيه أو تستجيب لتطلعاته”

“.. وإذا كنا نطمح إلى مؤسسات منتخبة تعكس فعلاً نبض المجتمع خلال الاستحقاقات المقبلة، فإن الطريق إلى ذلك يبدأ اليوم، عبر الاستثمار في تكوين المواطن الواعي، وترسيخ ثقافة المشاركة، وتعزيز الثقة بين الشباب والمؤسسات..
فهي مسؤولية مشتركة تتحملها الدولة، والأحزاب، ووسائل الإعلام، غير أن المجتمع المدني سيظل، بحكم قربه من المواطنين، في الصفوف الأولى لهذه المعركة الديمقراطية.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

MCG24

مجانى
عرض
CONGTOGEL