مجتمع

بين شواطئ الأثرياء وشواطئ “الدراوش”.. صيف بسعرين على ساحل أكادير

مجتمع

 عبدالرحيم لحبابي

لم يعد البحر، بالنسبة إلى كثير من “الدراوش”، ذلك المتنفس المجاني الذي كانوا يقصدونه كل صيف هربا من لهيب المدن وضيق المعيشة. فبين شواطئ شمال أكادير، حيث أصبحت الشقق السياحية والمطاعم والمرابد تفرض أسعارا لا يقوى عليها إلا أصحاب “الشكارة” والسياح الأجانب، وشواطئ اشتوكة آيت باها التي ما تزال تستقبل الأسر البسيطة بأثمان معقولة، تتجلى مفارقة اجتماعية صارخة عنوانها: صيف بطبقتين. الأولى تستمتع برفاهية المنتجعات والخدمات الفاخرة، والثانية تكتفي بما تبقى من بحر لم تلتهمه بعد موجة الغلاء والمضاربة الموسمية، في مشهد يعيد طرح سؤال يتكرر مع كل موسم اصطياف: هل أصبح البحر امتيازا طبقيا، أم أن “الدراوش” اضطروا إلى البحث عن شواطئ بديلة بعدما ضاقت بهم شواطئ الأغنياء؟

ولم يكن هذا التحول وليد الصدفة، بل فرضته الاستثمارات السياحية التي غيرت ملامح الشريط الساحلي شمال أكادير، وحولت شواطئ تغازوت، وإيمي ودار، وإيموران، إلى وجهات تستقطب أصحاب الدخل المرتفع والسياح الأجانب، بعدما أصبحت تكلفة الاصطياف بها تفوق القدرة الشرائية لعدد كبير من الأسر المغربية. وفي المقابل، اتجهت آلاف العائلات البسيطة إلى شواطئ إقليم اشتوكة آيت باها، من تفنيت إلى سيدي وساي وسيدي الرباط، بحثا عن بحر أقل كلفة وأكثر رحمة بالجيوب.

ولئن نجحت مشاريع التهيئة السياحية في منح الشريط الساحلي شمال أكادير إشعاعا دوليا، فإنها، في المقابل، أفرزت واقعا اجتماعيا جديدا يقوم على فرز غير معلن للمصطافين، حيث أصبح المكان نفسه يعكس الفوارق الطبقية أكثر مما يجسد الحق في الاستجمام.

ففي تغازوت وإيموران وإيمي ودار، ارتفعت أثمان كراء الشقق بشكل غير مسبوق خلال فصل الصيف، إذ تبدأ أسعارها من 800 درهم لليلة الواحدة فما فوق، وقد تتجاوز ذلك بكثير بحسب الموقع ونوعية الإقامة، وهو ما يجعلها بعيدة عن متناول أغلب الأسر المغربية. كما تضاعفت أسعار الوجبات بالمطاعم والمقاهي، وأصبحت المواقف المؤدى عنها تستنزف بدورها ميزانية المصطافين، في غياب أي توازن بين الخدمات المقدمة والأسعار المفروضة خلال الموسم الصيفي.

وبات من المعتاد أن تضطر أسرة متوسطة إلى تخصيص ميزانية كبيرة لقضاء يوم أو يومين فقط بهذه الشواطئ، بين كراء الشقة، وأداء واجبات المرآب، ومصاريف المطاعم والمقاهي، فضلا عن خدمات أخرى ارتفعت أسعارها بشكل لافت، وهو ما جعل هذه الوجهات تتحول تدريجيا إلى فضاءات شبه حصرية لفئة ميسورة أو للسياح الأجانب.

في الجهة المقابلة، تبدو الصورة مختلفة تماما على امتداد شواطئ تفنيت وسيدي وساي وسيدي الرباط بإقليم اشتوكة آيت باها، حيث لا تزال هذه المناطق تحتفظ بطابعها الشعبي، وتوفر إمكانية الاصطياف بتكاليف معقولة. فكراء الشقق يظل في متناول الأسر ذات الدخل المحدود، كما أن أسعار المأكولات والمقاهي والخدمات أقل بكثير مقارنة بالشريط الساحلي شمال أكادير، وهو ما جعلها تتحول إلى الملاذ الصيفي لآلاف “الدراوش”، الذين وجدوا فيها بديلا يحفظ كرامتهم ولا يرهق ميزانياتهم.

ولا يتعلق الأمر هنا بالمقارنة بين جودة الخدمات أو مستوى الاستثمار، بل بمفارقة اجتماعية تفرض نفسها بقوة، إذ إن البحر، الذي ظل لعقود فضاء مفتوحا أمام الجميع، بات الوصول إليه، في بعض المناطق، رهينا بالقدرة على تحمل كلفة الشقق والمطاعم والخدمات المرافقة.

فالتنمية السياحية لا تستقيم حين تنحصر في خدمة السياحة الراقية وحدها، لأن منطق التنمية يقتضي، في المقابل، ضمان حق الأسر المغربية في الاستفادة من شواطئ بلادها دون أن تتحول العطلة الصيفية إلى عبء مالي ثقيل. فنجاح أي وجهة سياحية لا يقاس فقط بحجم الاستثمارات أو عدد السياح، بل أيضا بقدرتها على احتضان مختلف الفئات الاجتماعية، باعتبار البحر ثروة وطنية لا ينبغي أن تتحول إلى امتياز لفئة دون أخرى.

ولعل أخطر ما أفرزته هذه التحولات أنها قسمت الساحل، دون قرار معلن، إلى شواطئ للأثرياء وأخرى لـ”الدراوش”. وبين هذا وذاك، يبقى البحر، الذي ظل لعقود متنفسا مشتركا للمغاربة، مهددا بأن يتحول إلى امتياز اجتماعي تحدده القدرة الشرائية أكثر مما يتيحه الحق في الاستجمام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

MCG24

مجانى
عرض
CONGTOGEL