دق صيادلة ناقوس الخطر بشأن الوضعية الاقتصادية والمهنية للصيدليات المستقلة، محذرين من أن التخفيضات المتتالية في أسعار الأدوية، في غياب إجراءات مواكبة لتنويع مصادر الدخل، تدفع عددا متزايدا من الصيدليات نحو الهشاشة وتهدد بعضها بالإفلاس.
وعكس المشاركون في الدورة التاسعة للمؤتمر الدولي لجمعية “إم فارما”، المنعقد، أمس السبت بالرباط، تحت شعار “الصيدلية المستقلة.. حلقة أساسية في الصحة العمومية”، صورة قاتمة عن واقع المهنة، مطالبين بإعادة النظر في النموذج الاقتصادي للصيدلية حتى لا تبقى رهينة لهامش الربح الناتج عن بيع الأدوية.
وأكدت حسناء ممون، الرئيسة التنفيذية لجمعية “إم فارما”، خلال الجلسة الرسمية للمؤتمر، أن المهنة تمر بمرحلة “استثنائية ومفصلية”، في ظل إشكالات هيكلية تتطلب، حسب تعبيرها، مكاشفة صريحة ومسؤولة، وفي مقدمتها المرسوم الجديد المتعلق بتحديد أسعار الأدوية.
وأوضحت أن المرسوم صدر دون الأخذ بمقترحات ممثلي المهنة، ودون توفير إجراءات مواكبة تمكن الصيدليات من امتصاص تداعيات خفض الأسعار، معتبرة أن استمرار هذا الوضع قد يدفع آلاف الصيدليات إلى مزيد من الهشاشة المالية.
وحذرت ممون، في السياق ذاته، من الدعوات الرامية إلى تحرير رأسمال الصيدليات وفتح المجال أمام سلاسل استثمارية، معتبرة أن استقلالية الصيدلية تشكل جزءا من هوية المهنة، ومستحضرة الدور الذي لعبه الصيادلة في محطات احتجاجية سابقة للدفاع عن استقلالية القطاع.
من جهته، كشف محمد الصافي، صيدلي وعضو المكتب الوطني لجمعية “إم فارما”، أن المغرب يتوفر على 56 مؤسسة لتصنيع الأدوية و66 شركة موزعة و14 ألف صيدلي، بمعدل صيدلي واحد لكل نحو 2700 مواطن، مشيرا إلى أن هذا العدد يتجاوز، بحسب المعطيات التي قدمها، المعايير التي استند إليها في المقارنة مع منظمة الصحة العالمية.
واعتبر الصافي أن الإشكال لا يرتبط بعدد الصيادلة، وإنما بالوضعية الاقتصادية لعدد كبير من الصيدليات، في ظل استمرار خفض أسعار الأدوية دون اعتماد آليات تضمن تنويع مداخيلها وتحد من تأثير هذه التخفيضات على توازنها المالي.
وسجل المتحدث نفسه تراجع مساهمة الصناعة الدوائية المحلية في تغطية الحاجيات الوطنية من حيث الكميات، موضحا أنها أصبحت تؤمن نحو 70 في المائة من الاحتياجات، مقابل 80 في المائة سابقا، في حين تمثل الواردات حوالي نصف قيمة الحاجيات الوطنية من الأدوية.
وأضاف أن واردات الأدوية ارتفعت خلال السنة المالية بنسبة 17.4 في المائة، مقابل نمو للصادرات لم يتجاوز 1.2 في المائة، ما ساهم، وفق المعطيات التي قدمها، في اتساع عجز الميزان التجاري للقطاع ليتجاوز 10 ملايير درهم.
وانتقد محمد حسن، صيدلي وعضو المكتب الوطني للجمعية نفسها، السياسة المتبعة في تحديد أسعار الأدوية، معتبرا أن بعض التخفيضات لا تستهدف بالضرورة الأدوية التي تشكل العبء الأكبر على المواطنين ومؤسسات التأمين الصحي.
وأوضح أن نحو 150 دواء تستحوذ على 57 في المائة من إجمالي نفقات الأدوية التي تتحملها مؤسسات التأمين الصحي، داعيا إلى توجيه النقاش نحو الأدوية مرتفعة التكلفة، بدل الاقتصار على تخفيضات تمس أدوية ذات كلفة أقل.
واعتبر حسن أن استمرار خفض الأسعار دون إجراءات موازية أدى إلى إضعاف الوضع المالي للصيدليات، محذرا من وصول عدد منها إلى مرحلة تهدد استمراريتها الاقتصادية.
وفي مواجهة هذه الوضعية، دعا المشاركون في المؤتمر إلى الانتقال من نموذج يعتمد أساسا على هامش ربح بيع الأدوية إلى نموذج اقتصادي جديد يوسع مصادر دخل الصيدلية المستقلة، ويمنح الصيدلي أدوارا إضافية في المنظومة الصحية.
وشملت المقترحات اعتماد حق الاستبدال، وتوسيع الخدمات التي يمكن للصيدلي تقديمها، خصوصا في مجال مواكبة المصابين بالأمراض المزمنة والتلقيح وإجراء التحاليل السريعة، بما يسمح بتحويل الصيدلية من فضاء لصرف الأدوية إلى مركز للقرب يقدم خدمات صحية متعددة.
وخلص المؤتمر إلى مجموعة من التوصيات، من بينها الحفاظ على صيدلية القرب واستقلاليتها، واتخاذ إجراءات لمواكبة تخفيض أسعار الأدوية، وإرساء نموذج اقتصادي جديد للصيدليات، إلى جانب اعتماد مقاربة تشاركية فعلية مع ممثلي الصيادلة.
كما طالب المشاركون بإجراء انتخابات المجالس الجهوية للصيادلة في أقرب وقت، وتشديد الرقابة على بيع الأدوية خارج المسلك القانوني، فضلا عن مراجعة الإطار القانوني المنظم للمهنة، بما في ذلك الظهير الصادر سنة 1922، الذي اعتبر المؤتمرون أنه لم يعد ملائما للواقع الحالي للمهنة.




