الصويرة: محمد طيفور
ثمة لوحات لا تبدأ من فكرة مسبقة، وإنما من نظرة. نظرة تتأمل الجدار، وتتتبع أثر الزمن على سطحه، وتراقب كيف يغير الضوء ملامح المكان.
من هذه العتبة يمكن الدخول إلى عالم الفنانة التشكيلية دلفين ريكور (Delphine Ricour)، التي لا تتعامل مع الأمكنة باعتبارها مشاهد جاهزة للرسم، وإنما تبحث داخلها عن التفاصيل التي تمنحها شخصية خاصة وذاكرة لا تتكرر. فمنذ بداياتها، اعتادت أن تنظر إلى ما يبدو عاديا بعين مختلفة، وأن تبحث في المواد والألوان وآثار الزمن عن إمكانات تشكيلية لا تظهر إلا لمن يمنح المكان وقته.
في معرضها «أزقة الصويرة» (Les ruelles d’Essaouira) المقام حاليا بالفضاء الثقافي والاجتماعي دار الصويري بمدينة الصويرة، تجد هذه النظرة فضاءها الطبيعي، فالصويرة ليست بالنسبة إلى ريكور مجرد مدينة ذات أبواب زرقاء وجدران بيضاء، وإنما مكان تتقاطع فيه الشمس والبحر والريح والملح والظل والذاكرة. لذلك لا تقدم المدينة في صورتها السياحية المعتادة، ولا تسعى إلى تسجيل أزقتها وواجهاتها كما تفعل عدسة فوتوغرافية، وإنما تقترب من تفاصيلها الصغيرة، تلك التي تمنح المكان شخصيته وتجعله قابلا لأن يتحول من مشهد إلى إحساس.
وللصويرة خصوصيات وجماليات لا تكشف نفسها للعين العابرة. هناك صويرة أخرى تختبئ في ملمس جدار قديم، وفي زرقة باب أكلت الشمس والرياح بعضا من حدتها، وفي ظل يتسلل إلى زقاق ضيق، وفي انعكاس الضوء على سطح أبيض، وفي ذلك التداخل الدائم بين البحر والمدينة. وقد تبدو هذه التفاصيل عادية لمن يمر سريعا، لكنها تصبح مادة غنية للإبداع لدى من أحب المكان وأخذ الوقت الكافي للنظر إليه. ومن هنا يمكن فهم ذلك الارتباط الخاص الذي نشأ بين الصويرة وعدد كبير من المبدعين الأجانب، الذين وجدوا فيها ما يتجاوز جاذبيتها السياحية، فمنهم من اختار الاستقرار بها، ومنهم من ظل يتردد عليها باستمرار، وكأن المدينة تترك دائما شيئا لم يُكتشف بعد.

في هذا السياق تحديدا تكتسب تجربة دلفين ريكور معناها، فهي لا ترسم الصويرة التي يعرفها الجميع، وإنما الصويرة التي رأتها هي. وهذا الفارق هو ما ينقل العمل من التمثيل إلى التأويل، فالزقاق في لوحاتها ليس مجرد ممر، والجدار ليس مجرد خلفية، والباب ليس مجرد عنصر معماري، كل واحد منها يتحول إلى حامل للضوء والذاكرة والزمن. وما يبدو في البداية تفصيلا بسيطا يصبح، داخل اللوحة، نقطة تنطلق منها العين نحو فضاء أوسع.
وتتولى المادة تعميق هذا التحول، فقد اعتمدت الفنانة الكتان والجوت والتارلاتان، إلى جانب مسحوق الرخام والجير، مستلهمة بعض التقنيات التقليدية المرتبطة بتلبيس الجدران في الصويرة. وهنا لا تعود المادة مجرد وسيلة تقنية للوصول إلى صورة معينة، وإنما تصبح جزءا من معنى العمل، فملمس السطح يحيل إلى ملمس الجدار، والخشونة تستدعي تقادم البناء، بينما تمنح الطبقات الضوء إمكانية التحرك فوق اللوحة كما يتحرك فوق أسطح المدينة، وبذلك تصبح اللوحة نفسها أشبه بجدار يحمل آثارا وطبقات وذاكرة.
وتعود هذه الحساسية تجاه المادة إلى تكوين الفنانة ريكور المتعدد، بين الفنون التشكيلية والهندسة الداخلية والرسم الزخرفي وتقنيات الـTrompe-l’œil، فقد أتاحت لها هذه التجارب معرفة دقيقة بالأسطح والأصباغ والمواد، كما أن اشتغالها إلى جانب فنانين ومعماريين ومصممين عمق اهتمامها بالعلاقة بين اللون والفضاء، غير أن التقنية لا تبدو في تجربتها غاية مستقلة، وإنما وسيلة تمنح المادة فرصة التعبير، وتسمح للصدفة وعدم الانتظام والتعرجات والشفافية بأن تصبح عناصر حقيقية في بناء اللوحة.
وتحضر الطبيعة في هذا البناء باعتبارها مصدرا أساسيا للألوان والتباينات والحركة.
وفي الصويرة تتكثف هذه العناصر بصورة لافتة: البحر والسماء والرياح والضوء القوي والأبيض المتدرج والأزرق الذي يتغير بحسب الساعة والسطح. لذلك يبدو اللون عند ريكور مرتبطا بالمناخ البصري للمدينة، لا منفصلا عنه. أما الضوء فلا يكتفي بإظهار الأشياء، وإنما يشارك في تشكيلها، فهو يبدل ملامح الجدار، ويمنح الباب حضورا مختلفا، ويحول الظل إلى مساحة تشكيلية قائمة بذاتها.
ولهذا تبدو أعمال «أزقة الصويرة» أقرب إلى حصيلة علاقة طويلة بالمكان منها إلى انطباع عابر عنه، فقد احتاج المشروع إلى فترة من الملاحظة والاشتغال، مع تنقلات متكررة بين المدينة ومرسم الفنانة ريكور، حتى تتشبع بتفاصيلها وألوانها وأجوائها.
وهذا الزمن الذي يسبق اللوحة مهم في فهم التجربة، لأن الفنانة ريكور لا تكتفي بأن ترى الصويرة، وإنما تمنح نفسها فرصة لأن تتعرف إليها، وأن تميز بين ما يظهر سريعا وما لا يكشف نفسه إلا مع طول المعايشة.
لهذا تبدو الصويرة في لوحاتها ناقصة التفاصيل عمدا، مكتملة الإحساس، فهي لا تسعى إلى تسجيل كل ما تقع عليه العين، وإنما تختار ما يستحق أن يبقى: ضوء عابر، جدار متآكل، لون أزرق، أثر مادة، ظل أو فراغ.
إنها تختزل المدينة لكي تقترب من روحها، وتترك للمتلقي مساحة كي يكمل ما غاب عن اللوحة بخياله وذاكرته.
ولعل هذا الإحساس العميق بخصوصية الصويرة يجد تعبيرا أدبيا لافتا في العبارة المنسوبة إلى المسرحي والشاعر الفرنسي العالمي بول كلوديل (Paul Claudel): «في علمي، لا توجد غير قلعة واحدة يرتاح المرء بداخلها، ويفضل الموت على أن يسلم مفاتيحها، إنها موكادور بإفريقيا.»، فالعبارة لا تكتفي بوصف المدينة بالجميلة، وإنما تمنحها صورة «القلعة»، بما تحمله الكلمة من دلالات الحماية والخصوصية والأسرار.
أما «المفاتيح» التي يتحدث عنها كلوديل، فيمكن قراءتها بوصفها استعارة لتلك التفاصيل الخفية التي لا تمنحها الصويرة لكل من يمر بها، فالمدينة تفتح بعض أبوابها للزائر، وتحتفظ بأبواب أخرى لمن يقيم فيها، أو يعود إليها، أو ينظر إليها بعين مختلفة.
ومن هذه الزاوية يصبح عشق المبدعين للصويرة مفهوما، فالمكان لا يقدم نفسه دفعة واحدة، وإنما يكشف طبقاته بالتدريج، وكل عودة إليه يمكن أن تحمل اكتشافا جديدا.
وهنا تلتقي مقولة بول كلوديل مع تجربة دلفين ريكور، فالفنانة لا تحاول امتلاك صورة نهائية للصويرة، وإنما تلتقط بعض مفاتيحها البصرية: جدارا، بابا، ضوءا، ظلا، لونا أو ملمسا، ثم تعيد تركيبها في فضاء اللوحة. إنها لا تنقل المدينة كما هي، وإنما تستعيد الأثر الذي تركته في عينها وذاكرتها.
ومن ثم فإن «أزقة الصويرة» لا يقدم لنا مدينة جديدة بقدر ما يدعونا إلى رؤية المدينة التي نظن أننا نعرفها بطريقة مختلفة.
الصويرة هنا تنتقل من العمارة إلى الإحساس، ومن المشهد إلى الذاكرة، ومن المكان إلى التجربة الإنسانية. وتصبح اللوحة، في نهاية المطاف، واحدة من مفاتيح موكادور، مفتاحا صغيرا لمدينة كبيرة في الذاكرة، لا تستنفدها صورة، ولا يحيط بها وصف، وتظل قادرة على إغراء الفنان بالنظر إليها من جديد.




