مجتمع

في ذكرى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال …‎

تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال… نقطة تحول في مسيرة الكفاح الوطني بأسفي..

ذ. منير البصكري

إعداد : ذ. منير البصكري الفيلالي، أستاذ التعليم العالي بجامعة القاضي عياض

إن أمجاد المغرب ومآثره العظمى، وملاحم أبنائه الكبرى ، كثيرة لا حصر لها، في طليعتها ملحمة الاستقلال ، إلى جانب ملحمة المسيرة الخضراء. فهذه الأمجاد هي كنز لا يقل أهمية عن باقي الكنوز التي تختزنها بلادنا من ثروات بشرية ومعادن وثروات طبيعية .

صحيح أن الثقافة التاريخية لدى الشعوب عامة ، لا تتداول في بورصة القيم أو سوق الأسهم لكنها هي المحرك الأكبر للشعوب . لذلك ، نرى من الواجب الوطني اهتبال فرصة إحياء الذكرى الستون للأيام المجيدة الثلاثة التي تقترن هذه السنة بالذكرى الستين لعودة بطل التحرير والاستقلال جلالة المغفور له محمد الخامس من المنفى ، ولعيد الاستقلال المجيد . فخلال هذه الذكرى ، سنسعى لإبراز أبعادها ودلالاتها الوطنية الكبيرة ، وقيمها النبيلة في ترسيخ ثقافة الوطنية والمواطنة الإيجابية .
لذلك ، ما أكثر المناسبات الوطنية التي تستوجب منا الوقوف عندها لمراجعة وقائعها بقصد استلهام ما يجب استلهامه . وقديما سمعنا : ” إن الأمة التي تجهل تاريخها ، محكوم عليها بتكرار أخطائها . ”
وبالعودة إلى الوراء ، نجد أن علماء نا المغاربة قد أرخوا للبلدان ، وأرخوا للرجال .. فبين أيدينا اليوم أكثر من تأليف في تواريخ مدن فاس ومراكش ومكناس وتطوان وأسفي والرباط وطنجة والصويرة .. من ذلك مثلا : كتاب : جذوة الاقتباس ـ بيوتات فاس ـ سلوة الأنفاس ـ الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام ـ الروض الهتون في أخبار مكناسة الزيتون ـ إتحاف أعلام الناس بحاضرة مكناس ـ إظهار الكمال في مناقب سبعة رجال ـ الاغتباط بتراجم أهل الرباط ـ الإتحاف الوجيز ـ عمدة الراوين وتاريخ تطوان ـ أسفي وما إليه ـ جواهر الكمال في تراجم الرجال ـ إيقاظ السريرة في تاريخ الصويرة ـ سوس العالمة …
ومعلوم تاريخيا أن مدينة أسفي كباقي المدن المغربية الأخرى ، قد عرفت عبر التاريخ بالكثير من الأحداث ، إذ لا ينكر أحد أنها كانت دائما حاضرة بقوة وعمق في التاريخ المغربي ، بل وفي التاريخ الدولي منذ الاحتلال البرتغالي للمدينة .
وفي مطلع القرن العشرين ، وعقب الاحتلال الفرنسي للمغرب ، عرفت أسفي أحداثا شهدت لأهل هذه المدينة بالبطولة والشجاعة والجرأة في مواجهة المحتل الغاشم . وبظهور الظهير البربري في 16 مايو 1930 ، تشكلت حركات سياسية دينية ، تستهدف الرد المناسب على جرائم المستعمر الفرنسي في المدينة، مما يكشف عن الصمود والنضال من أجل تحقيق الكرامة والحرية والاستقلال.

وثيقة الاستقلال

وعلى إثر الظهير البربري، حل بمدينة أسفي وطنيان كبيران من مدينة سلا هما : سعيد حجي والصديق بلعربي ، وهدفهما تحفيز المواطنين على المزيد من الصمود أمام المحتل الفرنسي والخروج للشوارع من أجل الاحتجاج على الظهير البربري بقراءة ” اللطيف ” والجهر به في وجه المستعمر .

وهكذا أصبحت مدينة أسفي بمواقفها الوطنية ، ومواطنتها الحقة، إزاء الظهير البربري ، معقلا وازنا للوطنية الصادقة. وسيعرف هذا الإحساس الوطني تأجيجا قويا حين نفي السلطان محمد الخامس إلى جزيرة كورسيكا ومنها إلى مدغشقر . فهذا الحدث الأكبر أيقظ أهل أسفي ، وألهب حماسهم الوطني وأذكى في نفوسهم الآمال ، وأحيى في قلوبهم ذكريات الجهاد .. فانخرطوا في العمل الوطني المنظم.

وهكذا توجهت عناية الناس بأخبار ما يجري ويدور . ويروى أنه بمجرد ما علم سكان أسفي ، شأنهم في ذلك شأن باقي ربوع المملكة ، بنفي السلطان محمد الخامس هب هؤلاء لملاقاة العلماء لتقديم قسم الإخلاص والوفاء .. ذلك أن الانخراط في العمل الوطني كان يتم بأداء القسم .

وتأسيسا على ما سبق ، بدأ العصيان لأوامر المستعمر ينتشر بين الناس ، مما أدى إلى زوال هيبة هذا المحتل الغاشم . وبعد أيام قليلة فقط ، ترد الأخبار إلى أسفي عن المفاوضات وعن قرب حصول المغرب على الاستقلال .. ومع ذلك ، استمر سكان المدينة في مواجهتهم للمخططات الاستعمارية ، وفي طليعتهم شباب المدينة من التلاميذ وطلبة العلم ، نذكر من بينهم :
ـ محمد بن الطيب الوزاني الذي انخرط في جمعية طلابية شبه سرية ، وصار من أنشط أعضائها .
ـ امحمد بنهيمة العلج ، وتفيد بعض رسائله أن المناضل الوطني علال الفاسي ، كان يعقد اجتماعات ببيته بفاس يوم كان طالبا بجامعة القرويين ، فكان الطالب العلج واحدا من أعضاء الجمعية الثقافية التي أسسها طلبة القرويين آنذاك .
ـ محمد بلخضير الذي انخرط ضمن الخلايا الطلابية وهو ما يزال تلميذا بثانوية مولاي يوسف بالرباط .
وهذا النشاط النضالي لهؤلاء وغيرهم من شباب المدينة، ولد تفاعلا إيجابيا ساهم في بعث الوعي الديني والسياسي لدى الأسفيين بغية مواجهة كل ما كان يتعرض له وطنهم من أحداث ويصيبه من خطوب، مما جعل المدينة قلعة وطنية قوية ، وملتقى لعدد من زعماء الحركة الوطنية للتداول حول آليات الحصول على الاستقلال.

وهكذا، أسس علماء أسفي حركة سرية دينية إصلاحية ووطنية ضمت من الأسماء : محمد بن الطيب الباعمراني ـ أحمد الباعمراني ـ محمد علان ـ عبد السلام المستاري ـ محمد بن الطالب ـ محمد بلكاهية ـ مولاي محمد البوعناني ومحمد الهسكوري وأحمد بن محمد الكانوني وادريس بناصر ومحمد بن الطيب الوزاني .. فقد كانت لهذه الفئة من مواطني أسفي أفكار جديدة ووعي وطني مستنير، فكانوا يشكلون حركة نضال وطنية عملت على مستويات عدة ، سياسية وفكرية واجتماعية وشبابية ورياضية، مرجعها آنذاك، دور محمد الخامس وكفاحه ودعمه لعمل الحركة الوطنية المغربية.

لا ننسى كذلك أن نذكر أن شباب مدينة أسفي كانوا في طليعة المناضلين ضد الاحتلال الفرنسي ، ومن هؤلاء الشباب الذين انخرطوا في العمل الوطني بإرادة وطموح : محمد بنهيمة ومحمد الشقوري ومحمد بن الشيخ المشهور باسم ” الثقافة ” وغير هؤلاء .. فقد أظهر الشباب الأسفي حماسا منقطع النظير للحيلولة دون أن يستمر الوطن تحت نير الاستعمار .

وهكذا، يروى أن المغفور له محمد الخامس كان قد زار مدينة أسفي، فوجد أن أهلها مشبعون بالعمق الوطني والارتباط القوي برمز الكفاح الوطني، الملك محمد الخامس رحمه الله. ومن بين ما تحتفظ به الذاكرة الوطنية بأسفي ، أن مدير ثانوية مولاي يوسف الفرنسي، طلب من التلاميذ المصطفين بساحة المدرسة، التزام الصمت والهدوء عند رؤية الملك محمد الخامس ، محذرا إياهم من التفوه بأي نشيد وطني. وقد استعان المدير بأحد الأساتذة المغاربة ” المسيو مولاي ” واسمه الحقيقي ، امحمد كزوز . وما إن أطل الملك محمد الخامس، حتى رفع مسيو مولاي صوته بنشيد : يا ملك المغرب، ثم تبعه التلاميذ مرددين النشيد في حماس واندفاع.

ويروى كذلك أن بعض الشباب كانوا يهيئون لافتة مكتوب عليها : يحيا الملك، يحيا المغرب .. وذلك دائما أثناء الزيارة الملكية للمدينة، فاهتبلوا هذه الفرصة لينشروها بعد مغادرة جلالته لثانوية مولاي يوسف. وهناك الكثير من مثل هذه الأخبار الوطنية التي تفيد بأن أهل أسفي إبان الحماية قدموا ملحمة الاستقلال من خلال نضالهم وكفاحهم واستماتتهم ووطنيتهم الصادقة .

ومن ثمة، قام بعض الوطنيين من أهل أسفي ، كعبد السلام امجيد ومحمد بنهيمة ومحمد الشقوري وعلال قنبوع بالتحريض على مقارعة الاستعمار ، وذلك بتنفيذ عمليات فدائية ضد رموزه ومصالحه وأعوانه.

ومن ثمة، احتضنت أسفي مجموعة من المنظمات الفدائية اشتهرت منها منظمة ” أسود التحرير ” التي أسسها مولاي الطيب النقراشي ولحسن تاغجست ، ومنظمة ” المقاومة والتحرير ” التي أسسها عبد الرحمن الكتاني وعلال بن ركيك، ومنظمة ” اليد المباركة ” التي أسسها الحبيب فايضي ، ومنظمة “المقاومة السرية”التي أسسها محمد بن هدي الرضاوي المعروف ب : بابا . وبعد نفي السلطان محمد الخامس في عشرين غشت 1953، لم يقف الوطنيون عند حدود التحريض على المقاومة والمشاركة في العمليات الفدائية ، بل بدأوا ينهجون أسلوبا نضاليا آخر من قبيل الإضرابات والعرائض والمظاهرات ، فشكل ذلك مدا وطنيا جارفا ورافضا الوجود الاستعماري وسلطة الحماية.وهكذا استمر الوضع ملتهبا على هذا النحو .
ولعل أحداث تقديم وثيقة الاستقلال ، تعتبر نقطة تحول في مسيرة الكفاح الوطني .. وهي تؤكد بما لا يدع مجالا للشك، أن إحراز الاستقلال تقرر يوم هذا التقديم .. وتؤكد كذلك أن الموقف الذي بيته الاستعمار ضد العرش والذي نفذ يوم 20 غشت 1953 ، تحدد يوم حث الملك المجاهد محمد الخامس على المطالبة بالاستقلال في يناير 1944.

وإذا كانت أسفي قد تشرفت باحتضان هذه الأحداث، فإن شرفها يزيد بما سبقت إلى تسطيره في سجل الحرية بدماء أبنائها البررة.

ومدينة أسفي تعتز بأن تكون رائدة في العمل الوطني، بدءا من بوادر الحركة الوطنية الأولى، إلى المقاومة الفدائية التي جسمت ثورة الملك والشعب. وقد توج العمل الوطني في أسفي بتوقيع ثلاثة من أبنائها على العريضة الرسمية المطالبة بالاستقلال ، وهو حدث عظيم ومكرمة وطنية أسفية بامتياز. وهكذا وقع كل من البوعمراني والمستاري وبلخضير على العريضة المذكورة، وكاد أن يضاف إليهم الفقيه محمد الهسكوري لولا منعه من قبل بعض الوطنيين الذين آثروا أن يجندوه في جبهة أخرى.

وتوقيع هذه الفئة من رجالات أسفي على العريضة ، مفخرة وطنية كبرى لشباب مدينة أسفي اليوم ينبغي الاعتزاز بها ، بل إن سكان المدينة أقبلوا جميعهم وبكثافة وحماس منقطع النظير على توقيع عرائض شعبية مؤيدة للعريضة الرسمية ، معبرة عن دعمهم لمطلب الاستقلال على الرغم مما جرته هذه العملية من مضايقات واعتقالات همت الوطنيين في أسفي من أمثال : الفقيه عبد السلام المستاري والفقيه ادريس بناصر وعبد الرحمان بن الشيخ وزين العابدين الوزاني وغيرهم ..
إضافة إلى ما سبق ، لا يجب أن ننسى الدور الملحمي الكبير الذي قام به الرياضيون في أسفي ، مما يدل على نمو الوعي الوطني عند هؤلاء الرياضيين بأسفي الذين أدركوا جيدا الأخطار المحدقة بالوطن. وهكذا ، فقد أسست الحركة الوطنية في أسفي عددا من فرق الأحياء ، منها فريق الأمل للبحارة.

فمثلا خلال أحداث دار الباشا سنة 1952، شارك جل الرياضيين الآسفيين الذين يشتغلون في الميناء، وشلت حركة هذا المرفأ البحري الحيوي، وتوقف عن العمل .. بل إن الفريق البحري لم يجر أي مقابلة رياضية ردا على غطرسة المستعمر. وهناك أسماء رياضية بارزة في المدينة، واجهت المستعمر الفرنسي، نذكر منهم، محمد البوعناني الذي انضم إلى الحركة الوطنية سنة 1950، حيث ربط بين النشاط الرياضي والعمل الوطني، أيضا، لا ننسى محمد امجيد أول من نادى جهارا بأسفي في وجه الاستعمار : يحيا الملك.

نذكر كذلك، عبد السلام بن حنة المعروف ب ” بيي ” الذي أصبح فيما بعد عميدا للمنتخب الوطني، حيث جمع هو الآخر بين النشاط الرياضي والعمل الوطني .. واللائحة طويلة نذكر فقط بعض الأسماء الرياضية التي ما يزال الشارع الرياضي بأسفي يتذكر مواقفها من أمثال : السكياطي وبلعربي والوافي وعبد السلام اعبيد ومصطفى تولة وجلول مولاي الطاهر وبدر الدين وبنعمر عزيز ومحمد الشهيد.

ولعل ما أشرنا إليه، لا يعدو أن يكون نقطة من بحر، حيث الغرض يكمن في صياغة الذاكرة التاريخية الوطنية والتعريف بفصول ملحمة الاستقلال بمعانيها ودلالاتها والاعتزاز بالانتماء الوطني وبالهوية المغربية، عملا بالتوجيهات الملكية السامية الداعية إلى صيانة وتوثيق الذاكرة التاريخية الوطنية والعناية برموزها وأقطابها وإبراز أمجاد وملاحم الكفاح الوطني وما يختزنه تراثنا الحضاري من أمجاد ومكارم، تجسد الرصيد النضالي المحلي والوطني، وذلك لمواصلة مسيرات الحاضر والمستقبل من أجل بناء واعتلاء صروح مغرب الحداثة والديموقراطية والتضامن والتنمية الشاملة والمستدامة والمندمجة.

إن واجب الذاكرة الوطنية، يدفعنا لإيلاء العناية الكاملة لرصيدها وتراثها الطافح بالملاحم والبطولات، والزاخر بالعبر والعظات والقيم الأخلاقية والإنسانية التي تشكل مكونا أساسيا من الرأسمال اللامادي، الروحي والمعنوي الذي هو جزء من الثروة الوطنية التي بناها وصانها وضحى من أجلها الإنسان المغربي على امتداد تاريخه وحضارته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
MCG24

مجانى
عرض