مجتمع

أزيلال: فاطمة أمكار مناضلة استثنائية من أجل تحرير طاقات المرأة القروية وإدماجها الاقتصادي

من قرية جبلية نائية منعزلة كانت منذورة للتهميش والإقصاء إلى مديرة ثاني أكبر منتزه طبيعي في إفريقيا، يختزل مسار فاطمة أمغار ابنة زاوية أحنصال المقاومة، قصة كفاح امرأة مناضلة كرست حياتها لخدمة قضية النساء القرويات، والعمل على تحرير قواهن وطاقاتهن الإبداعية وتمكينهن الاقتصادي، وإنقاذهن من مصير مجهول غالبا ما كان يرسمه بفظاظة شبح الفقر والجهل.

لقد تشكلت العناصر الأولى للوعي الذي حملته هذه الشابة الثلاثينية تجاه قضية المرأة القروية منذ صغرها، حينما وشمت ذاكرتها صور شابات لا يتجاوز عمرهن 15 أو 16 سنة كيف كن يسقن إلى سجن الزوجية مكرهات بلا حول ولا قوة بسبب عوز أسرهن، وكيف كان محكوما عليهن أن يعشن صنوف الشقاء والدونية، محرومات من متابعة دروسهن بسبب الظروف الطبيعية والمناخية والجغرافية، وطغيان العقلية الذكورية المنغلقة التي كانت تختزل المرأة في مجرد عورة، معتبرة خروجها إلى العمل أو الدراسة خارج المنطقة أمرا يتعارض مع التقاليد والأخلاق.

كان مصيري سيأخذ نفس المنحى، تبوح أمكار في حديثها لوكالة المغرب العربي للأنباء، ” لولا أني كنت محظوظة بأب متفتح يشتغل بقطاع السياحة الجبلية، ساعدني على استكمال دراستي الإعدادية والثانوية ثم الجامعية ، في ظروف كانت جد شاقة، لأنخرط في العمل الجمعوي منذ مراحلي الأولى، متسلحة بقناعة تؤمن بأن النساء القرويات عموما وزميلاتهن بزاوية آيت أحنصال على وجه الخصوص يملكن طاقات خلاقة، وقادرات على العطاء وتحقيق الذات مثلهن مثل أشقائهن الرجال ، والخروج من وضعية التهميش والدونية، شريطة أن تفتح أمامهن الأبواب، وتمنحن فرصة لإثبات ذلك…”.

مدفوعة بهذا الطموح والإرادة القوية في الدفاع عن قضية آمنت بها مبكرا وإدراج المرأة في مسار إنتاجي وتنموي وإنقاذها من أفق مظلم وتحريرها من منظومة اجتماعية وقيمية تكبل قواها وطاقاتها الإبداعية، ستؤسس أمكار تعاونية نسائية للأعشاب الطبية والعطرية بزاوية آيت أحنصال، تمكنت في ظرفية وجيزة من استقطاب 122 امرأة، بدأن حياة جديدة قوامها الانخراط في دورة إنتاجية حققت لهن بعض الاستقلالية المالية، ورفعت من وضعهن الاعتباري، وحولتهن من كونهن عالة على المجتمع وعلى أسرهن إلى منتجات، مساهمات ومندمجات في الحركية الاقتصادية بالمنطقة.

بنفس الإصرار والإيمان، ستقدم رفقة طاقات شبابية أخرى، وبدعم من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، على تأسيس “دار الزعفران” بأزيلال، حاملة رهان تشجيع تسويق عصري للزعفران تحت إشراف عدد من التعاونيات بإقليم أزيلال، في مسعى لمحاربة الفقر وإقصاء النساء القرويات.

وشكلت هذه التجربة التعاونية مرتكزا جديدا في مسار إرساء تنمية مندمجة لفائدة النساء القرويات العاملات بعدد من التعاونيات بالمنطقة، وذلك بالنظر إلى مساهمته في تعزيز تنظيم أنشطتهن وتسويق منتوجاتهن في إطار تعاونيات على طريقة الأسواق العصرية الكبرى، حيث تمكنت من تسويق منتجات الزعفران ومشتقاته لحوالي 44 تعاونية تابعة ل14 جماعة قروية بإقليم أزيلال، وتوفير فرص الشغل، والحد بالتالي من الفقر والإقصاء الاجتماعي والاقتصادي لهؤلاء النساء.

لقد حولت هذه المشاريع زاوية آيت أحنصال، توضح أمكار، من قرية تتلقى المساعدات الاجتماعية وتعيش على الندرة إلى مركز يخلق الثروات رغم قلتها، من خلال المساهمة في تسويق المنتوجات المحلية من بذور وزعفران وأعشاب، ويوفر مناصب الشغل لفائدة النساء، ويساهم في الحركية السياحية للمنطقة من خلال شراكات مع العديد من وكالات الأسفار، وإدماج شابات حاصلات على شواهد عليا.

لم يقف طموح أمكار ، الحاصلة على الإجازة في الآداب الإسبانية وإجازة مهنية في الهندسة السياحية وماستر متخصص في التنمية المستدامة والسياحة، عند هذا الحد لتواصل مسارها الناجح الذي أهلها إلى أن تتبوأ منذ سنة 2019 إدارة “منتزه جيوبارك مكون”، الممتد على مساحة 5700 كلم مربع ، والذي يعد تراثا عالميا معترف به من قبل منظمة اليونسكو، ويضم أزيد من 60 موقعا جيولوجيا وسياحيا متميزا على المستوى العالمي.

هذا المنصب الذي يتطلب مؤهلات علمية عليا وطاقة عمل ميدانية كبرى كان فرصة لهذه الشابة كي تثبت من خلالها جدارة النساء وأهليتها في تبوئ أرفع الدرجات والمواقع القيادية ، بفضل تجربتها التدبيرية والتسييرية وكفاءاتها الأكاديمية والجمعوية.

وعلاوة على رهان الحفاظ على التراث المادي واللامادي لهذا المجال الطبيعي الذي تزخر به المنطقة، سعت أمكار باعتبارها المسؤولة الأولى عن هذه الثروة الطبيعية إلى استثمار هذا الموقع في جعل هذا المشروع في خدمة الساكنة، من خلال خلق مشاريع مدرة للدخل، ومواكبة مختلف الفاعلين في جميع القطاعات من قبيل المهنيين العاملين في قطاعات السياحة والاقتصاد الاجتماعي والتضامني والتراث الثقافي ووزارة التربية الوطنية، عبر تشجيع خلق التعاونيات والقيام بحملات تحسيسية لفائدة المؤسسات التعليمية للحفاظ على المنتزه، وتشجيع السياحة والشراكة مع جمعيات دولية ووطنية قصد ترميم القصبات والمواقع التاريخية….

هذا الالتزام والانخراط في مسلسل النهوض بأوضاع المرأة، ستجسده هذه الشابة الطموحة مرة أخرى، من خلالها إشرافها على مهمة التنسيق مع منظمة اسبانية بخصوص مشروع يحمل اسم “تساوت” أقيم بوادي تساوت، من خلاله تم عقد شراكات مع جماعات محلية لتزويد 33 دوارا بالماء الصالح للشرب، وتشجيع التعليم بالوسط القروي من خلال بناء تسعة أقسام بجماعة آيت أومليل، وتوظيف معلمات لهذا الغرض بهذه المناطق البعيدة والمعزولة، إضافة إلى تنظيم تدخلات طبية خصوصا لفائدة النساء وإدخال واعتماد تقنية التتبع بالصدى المتنقل لمراقبة أوضاع النساء الحوامل وهي عملية بالغة الأهمية في منطقة معزولة ساعدت في الاهتمام بصحة الأم والتقليص من الوفيات أثناء الوضع.

وتمكنت هذه الناشطة الجمعوية من خلال مسارها الاستثنائي من تغيير نظرة المجتمع المحلي للمرأة القروية، الذي أصبح يعتبرها عنصرا فاعلا في النهوض بأوضاع الأسر والمساهمة في التنمية المحلية، والتمكين الاقتصادي للنساء اللواتي أصبحن أكثر إقبالا على العمل الجمعوي والتعاوني بالمنطقة، والأهم من كل ذلك، ما صاحب هذه التحولات من انبثاق وعي مستنير بأهمية تعليم النساء وتحفيزهن على استكمال دراستهن، وانخراطهن في العمل الجمعوي والتعاوني بهدف تحسين الأوضاع الخاصة والعامة للساكنة المحلية.

إن ذكرى 8 مارس، كما تراها هذه الناشطة الاستثنائية، تشكل مناسبة للاحتفاء بجهود النساء بهذه المناطق من أجل تحسين القيمة المضافة على المستوى المحلي، وضمان استدامة مشاريعهن، والاندراج بالتالي في مسار تنمية مندمجة لفائدة هؤلاء النساء القرويات العاملات بعدد من التعاونيات، تعزيزا لقيم الإنصاف وتكافؤ الفرص، والحد من الفوارق الاجتماعية والتفاوتات المجالية، وتحريرا لطاقات إبداعية نسائية خلاقة كانت سجينة القهر والاستعباد، وضحية عقلية منغلقة تعطل قوى وطاقات كيان يمثل نصف المجتمع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
MCG24

مجانى
عرض