
لماذا لم تنل مدينة أسفي نصيبها العادل من التنمية والتطور؟
إعداد : ذ. منير البصكري الفيلالي / أسفي

من منا لا يعرف أن مدينة أسفي ، تعد واحدة من أقدم المدن المغربية ذات التاريخ العريق. يعود تأسيسها إلى العصور القديمة (ربما فينيقية أو أمازيغية)، وازدهرت كميناء تجاري تحت الحكم الإسلامي والبرتغالي (في القرن السادس عشر)، ثم أصبحت مركزًا صناعيًا حديثًا. تشتهر بإنتاج الفخار التقليدي، الصيد البحري، ومعالجة الفوسفاط عبر مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط OCP ثم الطاقة الحرارية والميناء الجديد … ورغم إمكانياتها الاقتصادية الكبيرة، فإن المدينة تعاني من تأخر نسبي في التنمية مقارنة بمدن مثل الدار البيضاء، القنيطرة مراكش و طنجة وغيرها من المدن المغربية التي لا تقل أهمية عن أسفي.

فلا يخفى على أحد أن اقتصاد أسفي يعتمد بشكل أساسي على: صناعة الفوسفاط عبر مجموعة OCP، التي تساهم بشكل كبير في الاقتصاد الوطني (تصدير ملايين الأطنان سنويًا). لكن هذه الصناعة توفر فرص عمل محدودة محليًا، وتركز الأرباح على المستوى الوطني. إلى جانب ذلك ، نجد الصيد البحري .. فقد كانت أسفي “عاصمة السردين” سابقًا، لكن التلوث أثر على الإنتاج، مما سجل تراجعا كبيرا على مستوى صيد السردين بشكل خاص . أيضا ، لا ننسى الفخار والسياحة.. وهي قطاعات تقليدية محدودة النمو بسبب ضعف التسويق والبنية التحتي وغير هذا كثير مما تنتجه هذه المدينة التي تنتج ثروة هائلة، لكنها تحصل مقابلها على “التلوث والبطالة” ، مع عدم التزام كافٍ بدفاتر التحملات البيئية.
لذلك، تعاني المدينة من بطالة مرتفعة (أعلى من المتوسط الوطني في بعض الفترات، خاصة بين الشباب)، وكذا من هجرة نحو المدن الكبرى.
ولعل من الأسباب الرئيسية لتأخر التنمية في مدينة أسفي:
أ ـ التهميش والإقصاء التاريخي والسياسي ، فمدينة آسفي مدينة “مهمشة” منذ الاستقلال، رغم أنها تنتج ثروة كبيرة من الفوسفاط والصيد البحري. قد يعود ذلك إلى سوء الحكامة المحلية والفساد في إدارة المشاريع، حيث يركز بعض المسؤولين على المصالح الشخصية بدلاً من تنمية المدينة..
ب ـ المشاكل البيئية والتلوث الصناعي الذي يُعد أحد أبرز العوائق. سببه مجمع الفوسفاط الذي يحدث تلوثًا جويًا وبحريًا، مما يؤدي إلى أمراض تنفسية وتدهور الموارد البحرية وإعاقة التنمية السياحية رغم الإمكانيات التي تتوافر للمدينة(شواطئ، تراث تاريخي ، خزف…)
ج ـ ضعف البنية التحتية والتخطيط الحضري ، وهو ما كشفت عنه فيضانات شهر دجنبر الجاري 2025 التي أودت بحياة العشرات من الأشخاص فضلا عما أصاب المدينة (خاصة المدينة العتيقة ) من دمار واسع . فللأسف ، أغلقت الأشغال الجارية المنافذ الطبيعية لتصريف المياه نحو البحر، مع انسداد مجرى الوادي بسبب إهمال التنظيف، مما رفع منسوب المياه إلى ستة أمتار.. فالشبكة تعاني من قدمها وعدم صيانتها، حيث صُممت وفق معايير قديمة لا تتناسب مع التغيرات المناخية الحالية .. مما كشف عن هشاشة التصريف والتخطيط. إضافة إلى بناء مشاريع في مجاري الأودية دون دراسات كافية وهي كارثة تعكس إهمالًا تراكميًا في برامج التنمية، مع غياب وقاية استباقية واعتماد على ردود فعل متأخرة لا تسمن ولا تغني من جوع .

د ـ التفاوت المجالي والتركيز الاستثماري ، إذ يلاحظ بشكل لافت تمركز الاستثمارات الحكومية والخاصة على المحور الشمالي (الدار البيضاء- الرباط – طنجة) أو السياحي (مراكش)، مما يهمش مدنًا مثل مدينة أسفي.. حيث يوجد داخل الجهة ، تفاوت بين مراكش وأسفي.
ه ـ الإدارة المحلية والحكامة ، فالملاحظ أن هناك غيابا واضحا للتدبير الحكمي ، مما دفع سكان المدينة إلى توجيه ملاحظاتهم وانتقاداتهم المستمرة للفاعلين المنتخبين المحليين بسبب الصراعات السياسية المجانية وللفساد المحتمل في صرف الميزانيات.
هذه فقط بعض العوامل التي تساهم في تأخر التنمية في أسفي . بل يمكن إضافة أخرى وتشمل التغيرات المناخية دون تكيف كافٍ، وانهيار قطاعات تقليدية مثل تصبير السمك ، ناهيك عن تأخر مشاريع مثل الكورنيش والمحطات الطرقية، وانهيار طرق حديثة بسرعة بسبب الغش في البناء ، دون أن نتحدث عن الطامة الكبرى التي يتعايش معها المواطن الآسفي يوميا ، وتتعلق بكثرة الحفر المنتشرة هنا وهناك .
إنه رغم هذه التحديات، فمدينة آسفي تمتلك الكثير من المقومات القوية للنهوض، مثل مينائها وتراثها الثقافي. ولعل الكارثة الأخيرة قد تكون دافعًا لإعادة النظر في السياسات التنموية ، مع المطالبة بإعلانها “منطقة منكوبة” وتعويض المتضررين ، وتخصيص ميزانية استثنائية لإعادة الإعمار المستدام (تجنب البناء في مجاري الأودية)..
لهذا نرى أنه بناءً على الإمكانيات الكبيرة التي تمتلكها مدينة آسفي (موقع ساحلي استراتيجي، تراث تاريخي وثقافي غني، صناعات تقليدية مثل الخزف، وثروات طبيعية كالفوسفاط والصيد البحري)، لا بد من وضع استراتيجية تنموية واقعية ومستدامة يمكن أن تساهم في نهوض المدينة وبعثها من سباتها العميق وركودها المجحف ، من ضمن ذلك : 1. تعزيز البنية التحتية والحماية من الكوارث الطبيعية ، وتسريع وإكمال مشاريع تهيئة واد الشعبة وقنوات الصرف الصحي، مع بناء سدود تلية صغيرة وتحسين نظام الإنذار المبكر بالفيضانات.. علاوة على تحسين الطرق والكورنيش، كما في المشاريع الأخيرة مثل تثنية الطريق الجهوية 205 وتهيئة الشوارع الرئيسية.
2. تنويع الاقتصاد وخلق فرص عمل ، مع دعم الصناعات الجديدة وتوسيع المناطق الصناعية (مثل المنصة اللوجستية بخط أزكان) وجذب الاستثمارات في قطاعات مثل البناء الجاهز والأسلاك الكهربائية (كالمصانع الجديدة التي أُعلن عنها في 2025). إلى جانب تطوير معالجة الفوسفاط بطرق صديقة للبيئة لتقليل التلوث، مع التركيز على صناعات خضراء وطاقة متجددة (مثل محطات الطاقة الشمسية أو الريحية على الساحل)
3. تطوير السياحة كمحرك رئيسي للتنمية ، كاستغلال الشواطئ الجميلة والإمكانيات السياحية وتهيئة الكورنيش الكبير، وإنشاء منتجعات سياحية، وتطوير رياضات بحرية مثل ركوب الأمواج (آسفي معروفة بأمواجها العالمية). نضيف أيضا مسألة تعزيز السياحة الثقافية من قبيل تثمين تل الخزافين، المدينة العتيقة، والقلاع البرتغالية، مع إنشاء مهرجانات سنوية للخزف والتراث الذي عرفت به مدينة أسفي (الملحون وطرب الآلة ).
4. الحفاظ على البيئة والتنمية المستدامة ، وذلك من خلال مكافحة التلوث الناتج عن الصناعات الكيماوية والصيد، مع إنشاء محطات معالجة النفايات (كالمشاريع الجهوية المصادق عليها 2025 -2034). ثم دعم الحرف التقليدية مثل صناعة الخزف بتكوين الشباب وتسويق المنتجات وطنيا وعالمياً.
5 . تحسين الحكامة والمشاركة المجتمعية ، المتمثلة في تعزيز الشفافية في إدارة المشاريع، ومكافحة الفساد، وإشراك المجتمع المدني والشباب في التخطيط (كما في اتفاقيات الجهة مع الجمعيات الرياضية والسياحية). دون أن ننسى كذلك ربط مدينة آسفي بشبكة السكك الحديدية (مشروع مراكش-آسفي المعلن عنه) لتحسين الوصول والتجارة.

إن مثل هذه الاستراتيجية ، يمكن أن تحول آسفي إلى قطب اقتصادي وسياحي حقيقي، خاصة إذا استفادت من الدروس المستفادة من الكارثة الأخيرة ومن البرامج الجهوية الحالية لجهة مراكش-آسفي. كل ذلك ، يتطلب تنسيقا وتنفيذا وتعاوناً فعليا بين الدولة، الجهة، والمجتمع المحلي لضمان تنمية عادلة ومستدامة ، حتى تنال أسفي نصيبها من التنمية والتطور .
وبناءً على الإمكانيات الكبيرة التي تمتلكها آسفي ، وبعد الكارثة الأخيرة لفيضانات ديسمبر 2025 ، نتمنى صادقين ، وكلنا أمل في أن تعرف مدينة أسفي انطلاقة جديدة، تروم من خلالها تحقيق استمرارية وعدالة مجالية.






















