
لم يعد اقتناء كيلوغرام واحد من اللحم الأحمر مجرد عملية تسوق عادية بالنسبة للأسر المغربية، بل أضحى “مغامرة” مالية غير مأمونة العواقب، بعدما قفزت الأسعار إلى مستويات قياسية لامست سقف 140 درهما في كبريات الحواضر. وبينما تعلق شماعة الغلاء على شح التساقطات وارتفاع كلفة الأعلاف، يبرز في الواجهة “فاعل ظل” يمسك بخيوط اللعبة في أسواق الجملة و”الرحبات” والاسواق الأسبوعية المعروفة ، وهو السمسار الذي تحول من وسيط لتسهيل المعاملات إلى محرك خفي يقتات على جيوب المواطنين، فارضا منطق “الشناقة” الذي لا يعترف بقوانين العرض والطلب بقدر ما يعترف بمضاعفة هوامش الربح.
وتشير المعطيات الميدانية التي استقتها MCG24 في عدد من الأسواق بمختلف المدن والبوادي، إلى أن سلسلة التوريد تعيش حالة من الفوضى المنظمة، حيث يسطر السماسرة السيناريوهات التي تخدم مصالحهم عبر تقنية “الاحتكار غير المعلن”. هؤلاء الوسطاء يعمدون إلى تطويق المربين الصغار وامتصاص العرض في المنبع بأسعار بخسة، قبل إدخال القطيع في دوامة من المضاربات المتتالية التي ترفع السعر النهائي بنسب تتجاوز أحيانا 40 في المائة قبل وصولها إلى المجازر، مما يجعل اللحوم الحمراء “عملة صعبة” تغيب تدريجيا عن موائد الطبقة المتوسطة والفقيرة على حد سواء.
هذا التغول لا يتوقف عند الاستهلاك اليومي، بل يمتد ليشكل كابوسا يؤرق المغاربة مع اقتراب عيد الأضحى، إذ تحولت “سنة العيد” إلى حلبة للمضاربة بامتياز. فالسمسار، أو “الشناق” بلغة أهل الحرفة، لم يعد ينتظر الأيام الأخيرة للتدخل، بل بات يضع يده على القطعان منذ شهور، مخزنا الأضاحي في “كراجات” وضيعات سرية لإعادة ضخها في السوق بأسعار غير معقولة تماشيا مع ذروة الطلب، وهو ما يفسر الارتفاع الصاروخي الذي لم تشهده المملكة حتى في أحلك سنوات الجفاف، وسط غياب تام لآليات التتبع والمراقبة التي تكتفي بالتفرج على النزيف.
وفي المقابل، يحاول بعض الوسطاء تسويق خطاب الضرورة المهنية، زاعمين أن دورهم يتمثل في تجميع العرض المتشتت وتوفير اللوجستيك، غير أن الواقع يكشف أن هذه الخدمة تحولت إلى “عبء” هيكلي يعيق أي محاولة لضبط التضخم. فبينما يشتكي “الكساب” من غلاء الاعلاف وضعف الدعم، ويشتكي المستهلك من “لهيب” الأسعار، تظل الحلقة الوسطى هي المستفيد الوحيد، مستغلة الفراغ القانوني وغياب منصات التسويق المباشر التي كان من شأنها قطع الطريق على المضاربين وإعادة الروح إلى القدرة الشرائية للمغاربة.
وفي الوقت الذي يطالب فيه الرأي العام بإجابات حقيقية، يرى خبراء الاقتصاد أن الخروج من هذا النفق المسدود لا يمر عبر بوابة البلاغات التطمينية التي لا تسمن ولا تغني من جوع، بل يستوجب ثورة حقيقية في مسالك التوزيع التي عششت فيها اللوبيات وأحكمت قبضتها عليها. إن الحاجة اليوم باتت ملحة اليوم لفرض نظام صارم للتراخيص المهنية للوسطاء، ونقل رحبات الأسواق من فوضى السيولة السوداء إلى شفافية الرقمنة، لقطع الطريق على المضاربة التي تقتات على أنين البسطاء وبدون تدخل حازم من السلطات الوصية لتقنين هذا القطاع المنفلت وتفعيل العقوبات الزجرية، سيبقى سمسار القطيع هو الناهي والآمر في بورصة اللحوم، وسيظل المواطن المغلوب على أمره مجرد حلقة ضعيفة في معادلة جشعة، لا تنتهي إلا بجيوب فارغة وموائد غادرها اللحم قسرا، في زمن بات فيه العيش الكريم حلما بعيد المنال.






















