في تحول لافت في الخطاب الأمني الرسمي الأوروبي، كشف التقرير السنوي للأمن القومي الإسباني لسنة 2025، الصادر في أبريل 2026 عن إدارة الأمن القومي التابعة لرئاسة الحكومة الإسبانية، عن ترسيخ متقدم لمكانة المغرب داخل المنظومة الأمنية الإسبانية والأوروبية، باعتباره شريكا محوريا لا غنى عنه في إدارة التحديات العابرة للحدود.
التقرير، الذي صادق عليه مجلس الأمن القومي الإسباني يوم 21 أبريل 2026، لم يكتف بوصف المغرب كجار جغرافي لإسبانيا، بل رفعه إلى مستوى “الفاعل الأمني الاستراتيجي”، في ملفات حساسة تشمل الهجرة غير النظامية، الأمن البحري، مكافحة الإرهاب، والجريمة المنظمة، ما يعكس تحولًا نوعيًا في رؤية مدريد لدور الرباط في معادلة الاستقرار الإقليمي.
المغرب من جار جغرافي إلى شريك أمني استراتيجي
يرسم التقرير الإسباني ملامح مرحلة جديدة في العلاقات بين الرباط ومدريد، حيث لم يعد المغرب مجرد بلد مجاور للجنوب الإسباني، بل أصبح فاعلا أمنيا مركزيا في حماية الحدود الأوروبية الجنوبية.
ويؤكد التقرير أن المملكة المغربية باتت تلعب دورا محوريا في إدارة تدفقات الهجرة غير النظامية، إضافة إلى مراقبة السواحل ومحاربة شبكات التهريب والجريمة المنظمة العابرة للحدود، فضلا عن المساهمة في مواجهة التهديدات الإرهابية القادمة من منطقة الساحل الإفريقي.
ويعكس هذا التحول، وفق مراقبين، انتقال التعاون بين البلدين من مستوى التنسيق الظرفي إلى شراكة استراتيجية مؤسساتية تقوم على تقاسم الأدوار في حماية الفضاء الأطلسي وممرات البحر المتوسط.
تراجع الهجرة غير النظامية بنسبة 62 في المائة
أبرز ما حمله التقرير السنوي للأمن القومي الإسباني هو تسجيل انخفاض كبير في أعداد الوافدين غير النظاميين إلى جزر الكناري خلال سنة 2025، بنسبة بلغت 62 في المائة مقارنة بالسنة السابقة.
ويربط التقرير هذا التراجع مباشرة بتعزيز التعاون الميداني بين الأجهزة الأمنية في البلدين، خاصة في ما يتعلق بالرصد البحري، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتفكيك شبكات التهريب التي تنشط عبر السواحل الأطلسية.
ويُنظر إلى هذا المعطى باعتباره مؤشرا عمليا على فعالية الشراكة الأمنية بين الرباط ومدريد، في وقت تتزايد فيه الضغوط المرتبطة بالهجرة على الحدود الجنوبية لأوروبا.
الجريمة المنظمة والساحل الإفريقي
يحذر التقرير الإسباني من تنامي التهديدات المرتبطة بالجريمة المنظمة والتهريب عبر الممرات البحرية، خصوصا في محيط مضيق جبل طارق والفضاء الأطلسي، وهو ما يجعل من التعاون مع المغرب عنصرا حاسما في تأمين هذه المناطق الاستراتيجية.
كما يسلط الضوء على المخاطر المتزايدة القادمة من منطقة الساحل الإفريقي، حيث تتقاطع شبكات الإرهاب والتهريب مع هشاشة أمنية متصاعدة، ما يرفع من احتمالات انتقال التهديدات نحو الضفة الشمالية للمتوسط.
وفي هذا السياق، يشيد التقرير بيقظة الأجهزة الأمنية المغربية ودورها في رصد وإحباط العديد من المخططات المرتبطة بالتطرف العنيف، ومنع امتدادها نحو الفضاء الأوروبي، ما يعزز موقع المغرب كخط دفاع متقدم في الاستراتيجية الأمنية الأوروبية.
شراكة تتجاوز الأمن التقليدي نحو هندسة استقرار إقليمي
لا يقتصر مضمون التقرير على الجانب الأمني الصرف، بل يعكس تحولًا أعمق في مقاربة إسبانيا للأمن الإقليمي، حيث يتم تقديم المغرب كعنصر استقرار أساسي في الضفة الجنوبية لأوروبا.
فالشراكة بين البلدين لم تعد محصورة في إدارة الحدود أو مكافحة الهجرة، بل تمتد إلى رؤية أوسع تشمل الأمن البحري، مكافحة الإرهاب، وضبط التهديدات العابرة للمنطقة المغاربية والساحل.
ويكرّس التقرير بذلك، وفق محللين، اعترافا مؤسساتيا واضحا بالدور المتنامي للمغرب كفاعل إقليمي رئيسي، حيث أصبح استقرار المملكة وكفاءتها الأمنية جزءا من معادلة حماية الأمن الإسباني، بل والأوروبي ككل، في سياق إقليمي ودولي يتسم بتصاعد التحديات الأمنية وتعقدها.

