
أكد محمد ولد الرشيد، رئيس مجلس المستشارين خلال جلسة خصصت لمناقشة موضوع “منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية وربط سلاسل القيمة الإفريقية” ضمن اليوم الثاني لفعاليات الدورة الرابعة للمنتدى البرلماني الاقتصادي للمنطقة الأورو-متوسطية والخليج، أن مستقبل القارة الإفريقية يظل رهيناً بقدرتها على تحويل إمكاناتها الهائلة إلى قيمة مضافة وفرص تنموية حقيقية لفائدة شعوبها، وخاصة الشباب الذين يواجهون يومياً تحديات الولوج إلى سوق الشغل.
وأشار إلى أن نحو 20 مليون شاب إفريقي يستيقظون كل صباح بحثاً عن فرصة عمل لائقة، ليس لأن القارة فقيرة في الموارد، بل لأنها لم تنجح بعد في تحويل مؤهلاتها الاقتصادية والبشرية إلى مشاريع إنتاجية وفرص حقيقية للنمو والازدهار. وأضاف أن هؤلاء الشباب يتطلعون إلى إفريقيا قادرة على توفير الحياة الكريمة والاستقرار، بدل أن تبقى فضاءً للهجرة والانتظار.
وشدد ذات المتحدث على أن النظريات الاقتصادية والتجارب التنموية الناجحة أثبتت أن الاندماج الاقتصادي وتعزيز التجارة البينية يمثلان المدخل الأكثر فعالية لتحرير الإمكانات الإفريقية. وفي هذا السياق، توقف عند معطى وصفه بالمقلق، يتمثل في أن التجارة البينية الإفريقية لا تتجاوز حالياً 15 في المائة من إجمالي تجارة القارة، مقارنة بنحو 70 في المائة في أوروبا و60 في المائة في آسيا، وهو ما يحرم إفريقيا من فرص تنموية ومكاسب اقتصادية هائلة.

وأوضح أن التقديرات الدولية تشير إلى أن التطبيق الفعال لمنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية يمكن أن يضيف ما يقارب 450 مليار دولار إلى الناتج الاقتصادي للقارة، وأن يساهم في انتشال نحو 30 مليون شخص من الفقر المدقع، فضلاً عن مضاعفة حجم المبادلات التجارية البينية.
ورغم الإشادة بما تحقق في العاصمة الرواندية كيغالي سنة 2018 من خلال إرساء الأساس القانوني لمنطقة التجارة الحرة القارية، أكد المتحدث أن التحدي الحقيقي المطروح اليوم أمام البرلمانات والحكومات الإفريقية يتمثل في الانتقال من مرحلة الالتزامات السياسية إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، وردم الفجوة القائمة بين الطموحات المعلنة والاندماج الاقتصادي الملموس.
ولفت السيد ولد الرشيد إلى أن هذا الرهان يكتسب أهمية متزايدة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، من إعادة تشكيل سلاسل الإمداد الدولية، وتصاعد النزعات الحمائية، وإعادة توطين الصناعات. ورأى أن هذه التطورات، رغم ما تحمله من تحديات، تتيح للقارة الإفريقية فرصاً استثنائية للاندماج في الاقتصاد العالمي على أسس أكثر توازناً.
وفي هذا الإطار، أبرز الأهمية الاستراتيجية لتأسيس فضاء إنتاجي أورو-إفريقي مشترك يقوم على الربط بين المنصات الصناعية الأوروبية والموارد والإمكانات الإفريقية، بما يسمح ببناء سلاسل قيمة متكاملة بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط.
وأوضح أن تحقيق هذا الهدف يقتضي مواجهة ثلاث تحديات هيكلية رئيسية. أولها تحدي الربط والبنيات التحتية، من خلال الاستثمار في الموانئ الحديثة والممرات التجارية وشبكات السكك الحديدية والخدمات اللوجستية والربط الرقمي والطاقي. أما التحدي الثاني فيتمثل في التمويل، عبر تطوير آليات مبتكرة لتعبئة الموارد المالية وسد الفجوة التمويلية التي تعيق المشاريع المشتركة العابرة للحدود. فيما يتعلق التحدي الثالث بالتقارب التنظيمي والتشريعي، من خلال تبسيط قواعد المنشأ، وإزالة الحواجز غير الجمركية، وتوحيد الأطر القانونية المنظمة للمبادلات والاستثمارات.

وعلى المستوى الوطني، أكد المتحدث أن المغرب يعتمد في انخراطه القاري على رؤية ملكية راسخة تعتبر أن مستقبل إفريقيا يتوقف على قدرتها الجماعية على تحويل الإمكانات المشتركة إلى قوة إنتاجية وتنموية متكاملة. وأشار إلى أن هذه الرؤية تُرجمت إلى مشاريع واستثمارات ملموسة جعلت المغرب من بين أبرز المستثمرين الأفارقة داخل القارة، بحضور متزايد في قطاعات استراتيجية تشمل الأبناك والتأمين والاتصالات والأسمدة والبنيات التحتية.
وأضاف أن المبادلات التجارية المغربية الإفريقية تجاوزت 56 مليار درهم، مسجلة نمواً يقارب 50 في المائة خلال العقد الأخير، بما يعكس اندماج المملكة المتزايد في سلاسل القيمة الإقليمية.
كما استعرض نموذجين بارزين يعكسان هذه الدينامية؛ أولهما صناعة السيارات المغربية التي تجاوزت صادراتها 158 مليار درهم، ما جعل المغرب أول مصدر للسيارات في القارة الإفريقية بفضل اندماجه المتنامي في سلاسل الإنتاج العالمية. أما النموذج الثاني فيتمثل في المنظومة الصناعية للمكتب الشريف للفوسفاط، التي تغطي أكثر من نصف احتياجات القارة من الأسمدة، وتسهم في تطوير مشاريع فلاحية وصناعية مشتركة بعدد من الدول الإفريقية، بما يعزز الأمن الغذائي ويرسخ سلاسل القيمة الزراعية والصناعية.
وأشار المتحدث إلى أن هذه الرؤية تتجسد كذلك في مشاريع استراتيجية كبرى، من أبرزها مشروع أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب باعتباره رافعة للتكامل الطاقي والقاري، إلى جانب المبادرة الملكية الأطلسية لفائدة دول الساحل والمبادرة الإفريقية الأطلسية، اللتين تفتحان آفاقاً جديدة لربط القارة بفضائها الأطلسي وتعزيز اندماجها في سلاسل التجارة والاستثمار العالمية.
وفي ختام مداخلته، شدد المتحدث على أن البرلمانات الإفريقية تتحمل مسؤولية محورية في إنجاح منطقة التجارة الحرة القارية، من خلال مواءمة التشريعات الوطنية، وإزالة العوائق غير الجمركية، وتوفير الأمن القانوني للاستثمارات، وإرساء آليات فعالة للتتبع والتقييم، وسن قوانين تشجع الإنتاج المشترك وتعزز القيمة المضافة المحلية.
وأكد أن مجلس المستشارين بالمملكة المغربية يضع خبرته التشريعية وعلاقاته البرلمانية في خدمة هذا الطموح القاري المشترك، مجدداً التزامه بمواصلة العمل إلى جانب الشركاء الأفارقة من أجل بناء إفريقيا أكثر اندماجاً وقدرة على الإنتاج المشترك وتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز الصمود الاقتصادي.





















