
كشفت نتائج اختبار PISA 2025، الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، عن استمرار التحديات التي تواجه المنظومة التعليمية المغربية، بعدما سجل التلاميذ المغاربة البالغون 15 سنة نتائج منخفضة في المجالات الأساسية التي شملها الاختبار. وحصل المغرب على 358 نقطة في العلوم، و321 نقطة في فهم المقروء، و355 نقطة في الرياضيات، إضافة إلى 374 نقطة في حل المشكلات من خلال التفكير الحاسوبي. وبالمقارنة مع متوسط منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، البالغ 482 نقطة في العلوم و461 نقطة في فهم المقروء و463 نقطة في الرياضيات، يظل الفارق كبيرا، خصوصا في القراءة.
وتزداد دلالة هذه النتائج عند مقارنتها بالدورات السابقة، إذ تراجع المغرب بين 2022 و2025 بـ7 نقاط في العلوم، و18 نقطة في فهم المقروء، و10 نقاط في الرياضيات. كما تظهر بيانات التقرير أن نسبة التلاميذ ضعيفي الأداء في المجالات الثلاثة معا بلغت 73.2 في المائة، مقابل 19.7 في المائة في متوسط منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بينما لم تتجاوز نسبة التلاميذ المغاربة المتفوقين جدا في واحد على الأقل من المجالات الثلاثة 0.1 في المائة. وتضع هذه الأرقام مستوى الكفاءات الأساسية لدى شريحة واسعة من التلاميذ في صلب النقاش حول فعالية التعلم المدرسي.
ولا يقدم التقرير المشكلة باعتبارها مرتبطة فقط برغبة التلاميذ في التعلم، بل ينظر إلى التعلم باعتباره عملية متعددة الأبعاد تجمع بين الكفاءة والانخراط والمثابرة والقدرة على توظيف المعارف في وضعيات عملية. ويشير التقرير إلى أن أداء الأنظمة التعليمية لا يرتبط فقط بحجم الموارد المالية، وإنما أيضا بكيفية توجيه السياسات التعليمية والبرامج وطرق التدريس والتقييم. كما يؤكد أن الأولوية ينبغي أن تكون لترسيخ الكفاءات الأساسية في القراءة والرياضيات والعلوم، بدل الاكتفاء بتغطية عدد كبير من المواضيع بشكل سطحي.
وتكشف نتائج PISA 2025 في الوقت نفسه عن تحديات مرتبطة بظروف التعلم داخل المؤسسات المغربية. فالمؤشرات المتعلقة بالدعم المدرسي والموارد تظهر أن 33.4 في المائة فقط من التلاميذ المغاربة يدرسون في مؤسسات دون خصاص في المدرسين، و12.4 في المائة فقط في مؤسسات دون خصاص في المعدات التعليمية. كما يظهر مؤشر الدعم الأسري عند -0.40، فيما يبلغ مؤشر دعم المدرسين 0.30، وفقا لجدول المؤشرات الواردة في التقرير.
وفي الجانب الرقمي، سجل التقرير أن 44.9 في المائة من التلاميذ المغاربة يستخدمون الذكاء الاصطناعي مرة واحدة على الأقل أسبوعيا لمساعدتهم على التعلم، بينما قال 52.7 في المائة إنهم يتعلمون داخل الفصل كيفية تقييم جودة المعلومات التي تنتجها أدوات الذكاء الاصطناعي. كما تشير البيانات إلى أن 39.6 في المائة من التلاميذ قالوا إنهم لا يتشتتون بسبب استخدام الأجهزة الرقمية. وتؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن تأثير التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يرتبط بكيفية استخدامهما، وأن الاستخدام المفرط أو المشتت للأجهزة يمكن أن يرتبط بنتائج أضعف.
ويحذر التقرير في هذا السياق من التعامل مع الرقمنة باعتبارها بديلا عن المهارات الأساسية، مؤكدا أن إتقان الأدوات الرقمية يبدأ بامتلاك القدرة على التركيز والتفسير والتحليل والاستنتاج. كما يدعو إلى استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة للتعلم، وليس كبديل عن التفكير والمجهود الذهني للمتعلم.
وتكتسب نتائج المغرب أهمية إضافية بالنظر إلى أن اختبار PISA لا يقيس فقط المعارف المدرسية، بل يركز على قدرة التلاميذ على توظيف ما تعلموه في مواقف عملية. ويشمل الاختبار تلاميذ تتراوح أعمارهم بين 15 سنة وثلاثة أشهر و16 سنة وشهرين، ممن تابعوا ست سنوات على الأقل من الدراسة النظامية.
وبذلك تضع نتائج PISA 2025 المنظومة التعليمية المغربية أمام تحدي تعزيز الكفاءات الأساسية، خصوصا في القراءة والرياضيات والعلوم، بالتوازي مع تحسين ظروف التعلم والموارد البشرية والمادية داخل المؤسسات. ولا يقدم التقرير النتائج باعتبارها حكما نهائيا على مستقبل أي نظام تعليمي، بل يعتبرها أداة للمقارنة وفهم مكامن الضعف والاستفادة من تجارب الأنظمة التي تمكنت من تحسين أدائها.
وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن التراجع في نتائج التعليم ليس ظاهرة حتمية، وأن بعض الدول تمكنت من تحسين أدائها رغم اختلاف مستويات مواردها. وبالنسبة للمغرب، فإن الأرقام الجديدة تفتح مجددا النقاش حول مدى قدرة المدرسة على تحويل سنوات التمدرس إلى كفاءات فعلية، وعلى ضمان امتلاك التلاميذ للمهارات التي يحتاجون إليها لمواصلة الدراسة والاندماج في الحياة المهنية والاجتماعية.






















