فن الملحون

أصداء عيد الاستقلال وتحرير الصحراء المغربية في الشعر الملحون

إعداد : الدكتور منير البصكري الفيلالي

إن عيد الاستقلال في المغرب في ذكراه المجيدة، لتعيد للأذهان صورة تاريخية مشرقة من البطولات
والفداء.. ومن صدق العقيدة والشموخ الوطني، والتصدي لأعداء الوطن ولمخططاته ومشاريعه
المناوئة لأماني الشعب المغربي الأبي وتطلعاته الوحدوية، والصمود ضد المحتل الغاشم وما كان يدبر
لهذا البلد الأمين من مؤامرات تصدى لها الوطنيون بكل ما أوتوا من قوة تحت قيادة المغفور له جلالة
الملك محمد الخامس طيب الله ثراه. لذلك، كانت ملحمة الاستقلال حدثا تاريخيا كبيرا ترك أثاره
الواضحة على الصعيدين الوطني والعالمي، وأربك حسابات المستعمر الفرنسي، وقلب موازينه رأسا
على عقب.. فكان كفاح جلالة الملك محمد الخامس من أجل الاستقلال ورفيقه في الكفاح جلالة الملك
الحسن الثاني رحمهما الله في مجابهة الاستعمار، باعثا على رسم خطة طريق سار على نهجها
الوطنيون من أبناء الشعب المغربي، بغية تحرير الوطن من نير الاستعمار، حيث كانت المقاومة
الشعبية وراء القيادة الملكية .. فكان الالتفاف حول ملك البلاد، لتنطلق معركة النضال والتضحية من
أجل الحرية والاستقلال. وهكذا كانت ثورة الأطلس المتوسط وثورة الريف وجبل صاغرو وثورة أحمد
الهيبة وثورة موحى وحمو الزياني وثورة الريف الكبرى والمقاومة بسوس وتافيلالت والأطلس الكبير
والصحراء. فكشرت فرنسا عن أنيابها، ساعية إلى تطبيق خطتها العدوانية لترسيخ الاستعمار في
المغرب بدءا من إصدارها للظهير البربري يوم 16 ماي 1930، الرامي إلى تقسيم المغرب بحسب
العرق والجنس واللغة والدين، هدفها تمزيق وحدة البلاد وتحطيم كيانها الثقافي ومقوماتها الحضارية.
لكن المستعمر لم يستطع الوقوف أمام تعبير الشعب المغربي، حيث قامت الحركة الوطنية والشعب
المغربي بتوجيه من جلالة الملك والالتفاف حوله بالرد على استفزازات فرنسا، وذلك بالقيام
بمظاهرات تنادي بالحرية والاستقلال. وتتوالى الأحداث لتترك وراءها جرحا مؤلما من خلال ما
تعرض له الوطنيون المجاهدون من تعذيب ونفي وتشرد وسجن وهوان.
ومن هذا المنطلق، احتوى الشعر الملحون هذه الأحداث معبرا عن قضايا وطنية متعددة ، تتصل
بحياة بلاده من قريب أو من بعيد مرة بالتصريح وأخرى بالرمز والتلميح، مما يبدو معه أن شاعر
الملحون مواطن مناضل وملتزم بمختلف قضايا بلاده، يفصح عنها ويبدي رأيه فيها دون خوف أو
خجل، وذلك تبعا لما يفرضه الدين من واجب الجهر بالحق والتصدي لمقاومة أعداء الله والوطن.
وهكذا، قام شاعر الملحون بدور طلائعي في إذكاء روح الجهاد والمقاومة ضد من تسلطوا على
وطنه وتطاولوا على مقدساتها، على الرغم من المضايقات التي كان يتعرض إليها. ومن ثمة، يمكن
القول بأن الشعر الوطني في نطاق قصيدة الملحون، قد انبعث من صدور الشعراء ليشهد على مأساة
تاريخية عاشها وطنه، وليدين الاستعمار في الآن نفسه.
فالصراع الذي ظل محتدما بين الوطن والمستعمر، قد خلق جوا موبوءا غاض هذا المستعمر وأقلق
راحته، وجعله يئن أنينا من صفعة المواطنين الذين أكدوا تشبثهم بوطنهم وعداءهم المستمر للاستعمار
وأذنابه. وهذه الحقيقة جعلت المستعمر يتأكد من يوم لآخر من أفول نجمه وزواله واندحاره، فآمن بأن
التاريخ ـ كما يقال ـ تكتبه الشعوب بدمائها ونضالها وحبها لوطنها، وأن الاستعمار ظل زائل لا أساس
لوجوده ولا قرار، وهذا ما جعل الشعب المغربي يؤمن بحقه في الحرية والاستقلال الذي يضمن له
كرامته ووجوده، مما جعله صامدا أمام غطرسة المستعمر الفرنسي، مستمدا قوته من إيمانه وعقيدته وإخلاصه وحبه لوطنه، وتقديره لملوكه وما قدموا من أعمال جليلة وتضحيات كبيرة ، ليعيش الوطن
حرا . يقول الشيخ الطالب بنسعيد :
يا بدر بضياه اتجلا بنـــــــور وقاس أفشرقها وغربها وبحورها ومقديس
بك جاد المولى بفضايل أعلى الناس
بك اسعد مغربنا من بعد كان فنحيس بك نارت شمس العليا أشرقت في فــاس
ومن القضايا التي تركت صداها في الشعر الملحون، رفض الشعراء لكل المعاملات البشعة التي كان
يفرضها الاستعمار على الشعب المغربي، ويتجلى ذلك من خلال تعلقهم بوطنهم وتمسكهم بأعرافه،
وتطلعهم الدائم إلى معانقة الحرية والاستقلال. يقول الشيخ محمد الرباطي عن العلم المغربي، رمز
الوطن وعزته :
يا بدر انبا من لحجاب يا طلوع الزهرا يا راية النصـــر لحبيبا
عجلي بوصال المحبوب
ما حبك عني غـــلاب ما حب حبيبك مغلوب دون ريب أغليبا
واجب الطعا للمغلــــوب
لقد دعا شعراء الملحون إلى نبذ الاستعمار، كما دعوا إلى التكتل والتحرر من الوهم والجمود، وذلك
رغم حكم المستعمر على الشعراء بألا يتناولوا المشاكل الحقيقية لوطنهم. ولعل ما حدث للشاعر الحاج
محمد بن علي الدمناتي، ومجابهته للمستعمر خير دليل على الصمود أمام التحديات التي كان يفرضها
المحتل الغاشم. فالشيخ الدمناتي كان يوجه الانتقادات اللاذعة للسلطة الفرنسية، احتجاجا منه على
السلوكات المشينة التي كان ينتهجها المستعمر. فكان مصيره محاكمة ظالمة، حيث صدر في حقه
الحكم بالسجن مدى الحياة. وعن مثل هؤلاء، يقول الشيخ محمد الرباطي :
ما خانوا سلطان ولا انساوا أوطان خدموا أكافحوا لخطان
المجد للوطان والتاريخ ايسجلوه عل الحيطان
ومثل هذا التنكيل الذي تعرض له شعراء الملحون قبل حصول المغرب على استقلاله، كانت له عدة
تداعيات لم تؤثر عليهم، بل زادتهم قوة وإيمانا بقضيتهم الوطنية، معبرين عن غضبهم مما أصبح
يحدق بالوطن، فتوسلوا إلى خالقهم بمثل هذا الشعر.
يا إلاه اسألتك بلهاشمي المجتاب جرنا فالحدث اليوم يا القيوم
أنقذنا يا ودود مـن هـاذ الفتـــــنا عمت واقوات لهراج والفتاين
عظمت الأمور جد وفجي كربتنا لا تتركنا بين لامت لفراعـــن
لا تخلينا في يد من ابغا يهلكنـــــا يا عالم ما يكون وما هو كاين
شهرو سلاح فوق طيبت عزنــــا ما ظنوا جمرتا لعدا واقدها لاعن
أكفنا همهم وهموم الخاينين ..
ومع ذلك ، لم يأل شاعر الملحون جهدا في أن ينبه أبناء وطنه من غطرسة المستعمر ، مؤكدا لهم بأنه
مهما طال مقامه ، فإنه راحل لا محالة . يقول في هذا الصدد :
لا تركنوا قالها الحليم في اكتابو والساير على نهجهم باحثعن تعذابو
هل باصبور شيبوا لكهـــــــول واللــه أمــرنا عليهم مـا ايهــــــول
تجاوزوا فيما بغـــاوا الحــــــد وبعنـــادهم نبنــي الــيوم ســــــــد
وبجيوشهم صالــوا وعنـــــاوا وبأموالهم في أرضــنا مــا يســـواو
مقامهم في أرضنا ليس ايطول يا ويلهم من صرخت الداعي إلى ايصول

مهبول ولد المهبول اللي ايشوف ويكول ..
ومهما يكن، فقد ظل شعراء الملحون ينافحون عن وطنهم، ويتابعون عن كثب كل ما يجري حولهم.
ذلك أنه مرت على الشعب المغربي فترات عصيبة عانى فيها شتى أنواع الأهوال والنكبات، أبلى فيها
البلاء الحسن وكافح أبناء هذا الوطن كفاحا عجزت عن صده جيوش المستعمر وقادته المجهزين بكافة
أنواع الأسلحة والقمع والتعذيب .. فانفجر الشعب أمام هذا العدوان المتمثل في نفي رمز البلاد والوطنية
جلالة الملك محمد الخامس الذي أبعد وأسرته إلى جزيرة كورسيكا م إلى جزيرة مدغشقر فيما بعد.
فارتفعت نداءات المقاومة بالجهاد وارتفع عدد المقاومين وتعددت أساليب المقاومة إلى حين عودة الملك
الشرعي وتحقيق الاستقلال الكامل. وللشيخ الحاج محمد بن عمر قصيدة في نفي محمد الخامس يقول
في حربتها :
قولوا يا هلي يوم السبت افلمدين الحمرا يذكار عنا لطف الله وخمد الفتاين
سبحــان مـن اقضــى بقدرتـــو واحكــــــــــم ابما جرى في جمع البشر
قدرو مولانا واعلم كل كاين
يفوز من اصبر للشدا حتى اتفــــــــــــــوت وارضى واقبل ما صار
افلقضا ما ينفع لهروب يا الفاطن
ليام دايرا والفلك امعاها ايـــــــــــــــدور ما للعبـــد اختيــــــــار
سلم الامر المولانا او كون داعن
ويواصل شاعر الملحون مناهضته للاستعمار الفرنسي والتصدي له مهما كانت القوة التي يتباهى بها :
الرومـي مثل النـــــــار قالوا ناس التشبيه والعبــــــــــارا
الرومـي يحمل عـــــار يا ويلو من المجاهد فساحة الكارا
الرومي ليس بحالو غدار طامع فمدون المغـــرب بتمــــارا
لهلا يوصلو ولا يوفي له ظن هو وانصارو ..
لكن، لا بد من يوم النصر وتحقيق الاستقلال وتفريج الكروب ، فالفلك يدور، ولا بد لكل شدة من فرج .
ربي ينصرنا عنهم لا بد الفلك ايدور والسوايع هذا حال الزمان
قالوا لدهات ما تدوم الشدات
باللطف يتصرف لقضا فالازليا
يا العالم فرج كربنا يا غياث ابجاه سيد السادات
سيدنا محمد طه خاتم لانبيا
لا اتخلينا يا ربي فيد هاذ العصات من اعلينا حكمات
لا خرا كرهوها وابغاوا غير الدنيا …
ومع ذلك، يتوجه شاعر الملحون إلى أبناء وطنه لكي يواجهوا المصير بالشجاعة والوطنية الصادقة
بغية تحقيق استقلال البلاد وعودة الملك محمد الخامس إلى عرشه داعين له بالنصر والتمكين.
قوموبشجاعا بنصرت الهمام وحموا ابلادو بملت المرسول
اهلي نسعى بكفوف الامـــام ينصر سيدنا عل لعدا ويصول
شبان الحــوام ايدوا لمقـــــام صابت شوكتهم قلب الغول
وسعاوبالجميع الدايم العلام
يا ربنا بحماك احمي الامام بهجت بلادنا المنصور
من صال بمحبتو عل الدوام واترك لعدو بهمنا يبور

أوفى أرضنا عل الدوام ليس يصول ..
وعلى الرغم من حصول المغرب على استقلاله، فقد ظل ملك البلاد محمد الخامس يطالب بأن تتحرر
جميع أراضي المغرب المغتصبة، كما كان رحمه الله يشجع العمل المسلح إلى جانب العمل الدبلوماسي
وذلك بهدف دفع السلطات الاستعمارية إلى الاعتراف باستقلال الأقاليم الصحراوية. وفعلا، بدأ جيش
التحرير يشن هجماته ضد قوات الاحتلال في ربوع الصحراء محققا عدة انتصارات في معارك عنيفة
وشرسة أشهرها معركة ” الدشيرة ” الخالدة، ومعركة ” المسيد “. وهكذا ظل الملك محمد الخامس
رحمة الله عليه يدعم الحركات التحررية حتى تنال الشعوب حريتها وتسترجع استقلالها وتحقق كرامتها.
وبعبقرية فذة ونبوغ متقد أعلن المغفور له الحسن الثاني عن تنظيم المسيرة الخضراء التي تعد حدثا
تاريخيا يعلن انتهاء الاحتلال الإسباني للصحراء، وكل ذلك، بغية استكمال الوحدة الترابية لوطننا
العزيز. يقول الشيخ الحاج عبد الله بنحيدة مخلدا ذكرى هذه المسيرة :
ندو وبشارا يوم أمر بدخول الصحرا راجح لفكر
قايد المسير الخضرا مليك غربنا الله ناصرو مولاي الحسن
لمسيرا مختارا أفحفظ الله المعين جابت النصر
لبطال المغرب الزاهر ولمليكنا المحــبوب عيــنو يا منان
ندا بجهارا أمام الملأ ما ابقا اصــــــــبر
تكوين المسير الخضرا تبقا تاريخ من بعد جيلنا عز وشان
عمت لبشارا لا واحد فالشعب اتخلى أعللهجر
في اخطاب البهج الحمر نهضت لفواج من كل انواح بشجع ويمان
حضرت لغارا واشتركو فالمسير من كل قطر
هل ليمان وهل الغيرا دول الشرق والغرب وهل السودان ..
وإذا كان استرجاع الصحراء إلى الوطن الأم ، قد سر المغاربة وأبهجهم، فإن الطامعين والحاقدين قد
غاضهم هذا الأمر، مما زاد المغاربة تمسكا بحقهم في وحدة وطنهم، وأكد إصرارهم وعزمهم على
المضي قدما في الدفاع عن كل شبر من أراضيهم، وهو موقف ثابت وقع عليه إجماع المغاربة من
طنجة إلى لكويرة تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس حفظه الله .. وما التصدي السلمي
الأخير لخصوم الوحدة الترابية في ” الكركرات ” إلا برهان ساطع على تمسك المغرب بأراضيه
المسترجعة والتي لا يقبل فيها المساومة. فالأمة المغربية وفي مقدمتها جلالة الملك محمد السادس
ترفض كل مساس بسيادتها الوطنية ووحدتها الترابية.
وهكذا انتقل المغرب من مسيرة التحرير إلى مسيرة النماء في المناطق الصحراوية ، وهي مسيرة
يقول جلالة الملك : ” ستظل محطة تاريخية تعبر عما قطعناه من أشواط على درب التعبئة المستمرة
لرفع التحديات “.
تلكم كانت باختصار شديد بعض أصداء استقلال المغرب وتحرير الصحراء المغربية في الشعر
الملحون، خلد من خلالها الشعراء رؤاهم، وسجلوا بكل صدق وأمانة ما كان يجري في وطنهم من
أحداث أحبوا أن يخلدوها في شعر يطفح بالحب العميق لهذا الوطن.
د. منير البصكري الفيلالي / أسفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى