سياسة

من ينهب الدعم؟ ولماذا تدفع الصحافة ثمنا لمعركة ليست معركتها؟

الدار البيضاء Mcg24

سياسة

في لحظة دقيقة من مسار الإعلام المغربي، جاء موقف الاجتماع الموسع للجمعية المغربية للإعلام والناشرين ليعيد توجيه النقاش إلى جوهره الحقيقي، عبر مطالبة واضحة وصريحة بفتح تحقيق شامل في كل ما يتعلق بالدعم العمومي المقدم للصحافة منذ انطلاق عقود البرامج، قصد كشف حقيقة المستفيدين الفعليين من المال العام، ووضع حد لحالة الغموض التي رافقت هذا الملف لسنوات.
هذه المطالبة، كما تؤكد الجمعية، لا تندرج في إطار أي مناورة سياسية أو رد فعل ظرفي، بل تمثل نداءً صريحًا للشفافية، وحقًا مشروعًا للرأي العام في معرفة كيف صُرفت أموال الدولة، ومن استفاد منها وفق مشاريع حقيقية، ومن حوّل الدعم إلى ريع بلا أثر مهني أو اجتماعي يُذكر.

لقد تحوّل الدعم العمومي، في الخطاب العام لدى البعض، من آلية لتقوية المقاولات الإعلامية وضمان استقلالها، إلى شماعة تُعلّق عليها كل أزمات القطاع. والحقيقة، كما ترى الجمعية، أن الخلل لم يكن يومًا في مبدأ الدعم في حد ذاته، بل في طرق تدبيره، وفي غياب آليات التتبع والمحاسبة، ما فتح الباب أمام تسلل فاعلين بلا مشاريع واضحة ولا مساهمة فعلية في تطوير الممارسة الإعلامية.

ومن هذا المنطلق، دعت الجمعية إلى تدخل المجلس الأعلى للحسابات، قصد الكشف الصريح عن المستفيدين من الدعم العمومي للصحافة خلال الفترة الممتدة من 2005 إلى 2025، بما يسمح بتأسيس نقاش مؤسساتي رصين، ينهي زمن الاتهامات المجانية، ويضع المسؤوليات حيث يجب أن تكون.

وتؤكد المؤسسات الإعلامية المنخرطة في الجمعية المغربية للإعلام والناشرين استعدادها الكامل للتعاون مع أي تحقيق مستقل، معتبرة أن من يشتغل في إطار الشفافية لا يخشى فتح الدفاتر. فربط الدعم بالمردودية المهنية والاقتصادية، ونشر معايير الاستفادة، يشكلان مدخلًا أساسيًا لإعادة الثقة إلى قطاع أُنهك بفعل الشبهات وحملات التبسيط المُخل.
غير أن خطورة المرحلة لا تقتصر فقط على مسألة الدعم، بل تتجاوزها إلى تفكيك خطاب سياسي شعبوي قدّم الصحافة، ظلمًا، كـ«كبش فداء» في معارك انتخابية ضيقة. فقد جرى، في مناسبات متعددة، تحويل نقاش إصلاح المنظومة الإعلامية إلى تصفية حسابات سياسية، عبر تعميم الإدانة بدل محاسبة المتورطين بأسمائهم.

إن تحميل الصحافة مسؤولية أعطاب السياسة، أو استهدافها كحلقة ضعيفة في حملات المزايدة، لا يُسيء فقط إلى المهنة، بل يشكل خطرًا حقيقيًا على المسار الديمقراطي. فالصحافة القوية لا تُبنى بتجفيف الموارد ولا بالتشكيك الجماعي، وإنما بإرساء قواعد واضحة للدعم، تحمي الاستقلالية، وتشجع الجودة، وتضمن كرامة الصحافيين.
من هنا، ترى الجمعية أن الدعوة إلى فتح تحقيق في الدعم العمومي تمثل دفاعًا عن منطق دولة القانون: مال عمومي مقابل أثر قابل للقياس، ودعم مقابل التزام مهني وتطوير فعلي للمقاولة الإعلامية. فالحقيقة اليوم ضرورة أخلاقية قبل أن تكون مطلبًا مهنيًا، لأن استمرار الغموض لا يخدم سوى من راكموا الريع، ويضر بالصحافيين الجادين وبثقة المواطنين في الإعلام.

وتؤكد الجمعية، في ختام موقفها، أن الساحة الإعلامية تشهد اليوم بروز فاعلين يحملون مشاريع واضحة وطموحة لتطوير المقاولات الصحافية، وتحسين الوضع الاجتماعي للصحافيين، والارتقاء بالممارسة الإعلامية الوطنية. ومع احترامها التام للمؤسسات الدستورية، تعلن استعدادها لمواصلة الدفاع عن اختياراتها وقناعاتها، إيمانًا بأن الزمن كفيل بكشف من خدم الصحافة ومن استغلها، ومن حافظ على نبضها ومن راكم الثروة باسمها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

CONGTOGEL