بدأت آثار بيئية خطيرة للحرب في إيران في الظهور مع تصاعد الضربات التي تستهدف منشآت النفط والبنية التحتية للطاقة. ويحذر خبراء من أن التلوث الناتج عن هذه الهجمات قد يستمر لسنوات طويلة، ما قد يهدد صحة ملايين السكان ويخلّف أضراراً بيئية بعيدة المدى.
المطر الأسود في طهران يثير القلق
في الثامن من مارس، شهدت العاصمة الإيرانية طهران ظاهرة غير مألوفة عندما تحدث سكان عن سقوط ما وصفوه بـ«المطر الأسود». وجاءت هذه الظاهرة بعد ساعات من ضربات بطائرات مسيّرة استهدفت مستودعات النفط والمصافي في أطراف المدينة.
وقد أدت هذه الضربات إلى اندلاع حرائق واسعة وانبعاث كميات كبيرة من الدخان الأسود، الذي اختلط بالسحب الممطرة فوق طهران، ما تسبب في تساقط أمطار محمّلة بمواد ملوثة.
تكرار سيناريو حرائق النفط في حرب الخليج
يقول الباحث الإيراني نجات رحماني، أستاذ الهندسة الكيميائية وهندسة النفط في جامعة برادفورد، إن ما حدث يذكّر بكارثة بيئية سابقة خلال حرب الخليج الأولى عندما اشتعلت النيران في حقول النفط الكويتية.
في تلك الفترة، انتشرت سحب كثيفة من السخام والغازات السامة في أجواء المنطقة، ووصلت آثارها إلى إيران، حيث تسببت في تلوث الهواء والمياه. كما أظهرت دراسة علمية نشرت عام ألفين وثمانية عشر أن تلك الملوثات ساهمت في تسريع ذوبان بعض الأنهار الجليدية في جبال الهيمالايا.
مخاطر أكبر بسبب الكثافة السكانية
يرى خبراء أن التلوث الناتج عن الحرب في إيران قد يكون أكثر خطورة هذه المرة، لأن مصادر التلوث تقع بالقرب من مدينة طهران التي تضم منطقة حضرية يقدر عدد سكانها بنحو ثمانية عشر مليوناً ونصف المليون نسمة.
ويؤكد مختصون أن استهداف منشآت الطاقة بالقرب من تجمعات سكانية كبيرة يعد أمراً نادراً في النزاعات المسلحة، ما يزيد من احتمالات تعرض المدنيين لمواد كيميائية خطرة.
مئات الحوادث البيئية منذ بداية الحرب
رصد مرصد الصراعات والبيئة، وهو منظمة بحثية دولية، أكثر من ثلاثمائة حادثة خلال الأسابيع الأولى من الحرب تنطوي على مخاطر بيئية محتملة.
ويشير خبراء إلى أن القصف الصاروخي والضربات الجوية يؤديان إلى إطلاق معادن ثقيلة ومواد سامة في الهواء والتربة والمياه عند انفجار الذخائر أو تحطمها، وغالباً ما تبقى هذه الملوثات في البيئة لعقود طويلة.
مخاطر صحية على السكان
تشمل هذه الملوثات مركبات كيميائية ومعادن ثقيلة يمكن أن تسبب أمراضاً مزمنة ومشاكل تنفسية خطيرة. كما أن عمليات تنظيف المناطق المتضررة من التلوث الناتج عن الحروب غالباً ما تكون معقدة ومكلفة وقد تستغرق سنوات طويلة.
وقد نصحت السلطات الإيرانية السكان بالبقاء داخل منازلهم بعد الضربة التي استهدفت مستودعات النفط قرب طهران، بسبب احتمال سقوط أمطار حمضية قد تسبب حروقاً كيميائية وتؤثر في الجهاز التنفسي.
طهران تعاني أصلاً من التلوث
وتواجه مدينة طهران منذ سنوات مستويات مرتفعة من تلوث الهواء نتيجة كثافة حركة السيارات وانتشار الصناعات الثقيلة حول العاصمة.
كما أن موقع المدينة الجغرافي عند سفوح جبال البرز يحد من حركة الهواء، ما يؤدي إلى ظاهرة الانقلاب الحراري التي تحبس الملوثات فوق المدينة لفترات طويلة.
وفي الظروف العادية تساعد الأمطار على تنقية الهواء، غير أن الأمطار التي هطلت بعد حرائق النفط اختلطت بالدخان الكثيف، ما أدى إلى تساقط مياه محمّلة بمواد سامة قد تدخل جسم الإنسان عبر الجلد أو الجهاز التنفسي.
صعوبة تقييم حجم التلوث
حتى الآن، لا يزال من الصعب تحديد حجم التلوث البيئي في إيران بشكل دقيق بسبب انقطاع الاتصالات الهاتفية والإنترنت منذ بداية العمليات العسكرية، إضافة إلى نقص العينات البيئية اللازمة للتحليل.
ويؤكد خبراء البيئة أن توثيق الأضرار البيئية يجب أن يبدأ في أقرب وقت ممكن، لأن آثار الحروب لا تظهر فوراً، بل قد تبقى كامنة في التربة والمياه لعقود قبل أن تتحول إلى أزمات صحية وبيئية.
مخاوف من كارثة بيئية أوسع
تتزايد المخاوف بسبب وجود بعض أكبر احتياطيات النفط والغاز في العالم داخل المنطقة، إضافة إلى عشرات المصافي ومستودعات الوقود والمنشآت الصناعية ومحطات تحلية المياه.
ويرى مختصون أن أي ضربات إضافية تستهدف هذه المنشآت قد تؤدي إلى كارثة بيئية واسعة النطاق قد تؤثر على البيئة والصحة العامة في المنطقة لسنوات طويلة.





