تتجه الدولة نحو تشديد الطابع الزجري لحماية السواحل المغربية من مختلف أشكال الاستغلال غير القانوني، عبر مراجعة مرتقبة للقانون رقم 81.12 المتعلق بالساحل، في خطوة تعكس تنامي القلق الرسمي من تفاقم البناء العشوائي ونهب الرمال والتعدي على الملك الساحلي، وما يرافق ذلك من تهديدات مباشرة للتوازنات البيئية والموارد البحرية بالمملكة.
وتراهن السلطات، من خلال مشروع التعديلات الجديدة، على تقوية الجانب الردعي عبر رفع الغرامات المالية وتشديد العقوبات المرتبطة بالمخالفات البيئية والعمرانية، إلى جانب تعزيز آليات المراقبة والتتبع، في ظل الضغوط المتزايدة التي تعرفها السواحل المغربية خلال السنوات الأخيرة.
ويأتي هذا التوجه في سياق تنامي التحذيرات المرتبطة بالاستنزاف المتواصل للموارد الساحلية، خاصة مع توسع البناء غير القانوني واستغلال الرمال بشكل عشوائي، وهي الظواهر التي باتت تشكل تهديدا حقيقيا للاستدامة البيئية وللأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالساحل، من صيد وسياحة واستثمار.
الحكومة تتحرك لمواجهة فوضى الساحل المغربي
وحسب المعطيات المرتبطة بمشروع التعديلات، فقد أحالت كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري مشروع مراجعة القانون رقم 81.12 المتعلق بالساحل على الغرف المهنية، في إطار مشاورات موسعة مع مختلف المتدخلين المؤسساتيين والمهنيين، بهدف تحيين المنظومة القانونية المؤطرة للساحل المغربي.
وتروم هذه التعديلات مواكبة التحولات البيئية والمجالية التي تعرفها المملكة، خاصة في ظل تزايد الضغوط العمرانية والاقتصادية على الشريط الساحلي، الذي يمثل أحد أهم المجالات الحيوية بالمغرب.
ولا تقتصر المقاربة الجديدة على تشديد العقوبات فقط، بل تمتد إلى إعادة صياغة شاملة لآليات تدبير الساحل، عبر تعزيز البعد الجهوي ومنح التصاميم الجهوية للساحل صلاحيات أوسع في تحديد مناطق الحماية ومجالات منع البناء وإقامة البنيات التحتية، وفق خصوصيات كل واجهة بحرية.
ويرى متابعون أن هذا التوجه يعكس رغبة الدولة في الانتقال من التدبير المركزي التقليدي إلى مقاربة مجالية أكثر مرونة، تأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات البيئية والاقتصادية لكل منطقة ساحلية.
غرامات مشددة لمواجهة البناء العشوائي ونهب الرمال
وتشير المعطيات الأولية إلى أن مشروع القانون الجديد يتجه نحو الرفع من الحد الأدنى للغرامات المالية المرتبطة بالمخالفات الساحلية، خاصة تلك المتعلقة بالبناء العشوائي والتعدي على الملك البحري واستغلال الرمال والمواد الساحلية دون ترخيص.
ويأتي هذا التشدد في وقت تشهد فيه عدة مناطق ساحلية بالمغرب تناميا لظواهر البناء غير القانوني، إلى جانب تنامي المخاوف من الاستغلال المفرط للرمال الساحلية، وما يسببه ذلك من اختلالات بيئية وتآكل للشواطئ وتهديد للمنظومات البحرية.
كما يتضمن المشروع تعزيز آليات مراقبة التلوث الساحلي، خاصة ما يتعلق بصب المقذوفات السائلة في البحر، مع اعتماد تقارير دورية وآليات تتبع أكثر دقة، في إطار توجه رسمي يروم تأمين استدامة الموارد الطبيعية البحرية.
ويعتبر مهتمون بالشأن البيئي أن تشديد العقوبات أصبح ضرورة ملحة في ظل تزايد الضغوط التي تواجهها السواحل المغربية، مؤكدين أن العديد من المناطق الساحلية باتت مهددة بفقدان توازنها البيئي نتيجة التوسع العمراني غير المنظم والاستغلال العشوائي للموارد.
لجان جديدة لتقوية الحكامة الساحلية
ومن بين أبرز المستجدات التي يحملها مشروع التعديلات، إحداث “اللجنة الوطنية للتدبير المندمج للساحل”، إلى جانب “اللجان الجهوية للتدبير المندمج للساحل”، بهدف تقوية الحكامة الساحلية وتحسين التنسيق بين مختلف المتدخلين.
وستتولى هذه الهيئات الجديدة تتبع السياسات العمومية المرتبطة بحماية الساحل، وإبداء الرأي بشأن المخططات والتصورات ذات الصلة على المستويين الوطني والجهوي.
كما يقترح المشروع مراجعة تركيبة الهيئات الاستشارية المعنية بالساحل، عبر إعادة النظر في تمثيلية القطاعات والمؤسسات والهيئات المهنية والجمعوية، مع إدماج القطاع الخاص وتقليص عدد الأعضاء، بهدف الرفع من النجاعة المؤسساتية وتبسيط مساطر التشاور والتنسيق.
ويرى متابعون أن المغرب بات مطالبا أكثر من أي وقت مضى بتشديد الرقابة على الساحل، بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية التي يمثلها الشريط الساحلي على المستويات البيئية والاقتصادية والسياحية.
ويتوفر المغرب على واجهتين بحريتين تمتدان على آلاف الكيلومترات، ما يجعل حماية الساحل رهانا استراتيجيا مرتبطا بالأمن البيئي والغذائي والاقتصادي للمملكة، خاصة في ظل التغيرات المناخية والتوسع العمراني المتسارع.
كما تعكس هذه التعديلات توجها رسميا نحو تعزيز الحماية القانونية للملك الساحلي، والقطع مع مظاهر التسيب والاستغلال غير المشروع للثروات الطبيعية، في محاولة لتحقيق توازن بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على البيئة البحرية للأجيال المقبلة.




