
اللقاء السادس مع الباحث في قضايا الشباب والسياسات العمومية، رئيس المركز المغربي للشباب والتحولات الديمقراطية، أستاذ الفلسفة، الدكتور يوسف الكلاخي
“إذا عدنا لجيل السبعينات والثمانينات إلى حدود التسعينات، كانت عنده قنوات غير متطورة تقليدية وكلاسيكية، ولكنها كانت تساهم في التنشئة السياسية، وفي التمكن كذلك من الثقافة السياسية”
MCG24
لأن قضية، أو بالأحرى إشكالية خيبة السياسة في استمالة الشباب كما أسلفنا كتابته في لقائنا الأول، هي ظاهرة متشعبة، تستوجب الإحاطة بجميع اتجاهاتها من أجل حصرها في الجذور وليس على الفروع، نصل في لقائنا السادس إلى إضافة جديدة لسر القضية، وكأننا نلتقي الظاهرة في عقر دارها، وهي كما فصل فيها الدكتور يوسف الكلاخي، عوامل موضوعية، وعوامل ذاتية.
“لِعزوف الشباب عن المشاركة السياسية، أسباب موضوعية وذاتية، بالنسبة للأسباب الموضوعية هي كثيرة، من بينها تراجع المؤسسات التي تقوم بالتأطير السياسي والمدني والجمعوي والحقوقي، هذه حقيقة لا يمكن أن نغفلها، وإذا عدنا لجيل السبعينات والثمانينات إلى حدود التسعينات، كانت عنده قنوات غير متطورة تقليدية وكلاسيكية، ولكنها كانت تساهم في التنشئة السياسية، وفي التمكن كذلك من الثقافة السياسية، هذه الثقافة السياسية التي كانت سائدة في تلك العقود، التسعينيات مكنت الشباب أنداك من أنهم يصبح لديهم وعي سياسي، نقاش حول السياسة حول العدالة الديمقراطية وحول الحرية وعن نموذج الدولة الديمقراطية..”
سؤال: من الذي كان مسؤولا عن تلك القنوات؟
” المسؤول عليها بالدرجة الأولى هي الأحزاب السياسية، وكانت أحزاب تقدمية ديمقراطية، أحزاب منخرطة في النقاش العمومي، وكذلك في الإصلاحات التي كانت تعرفها بلادنا في تلك اللحظة، وهو النقاش الذي أسس نموذج لدولة ديمقراطية حديثة بزعامة الملك الراحل الحسن الثاني، .. فنقاش المعارضة والأغلبية وقتها كان نقاشا صحيا، أنتج مغرب اليوم، وهو مغرب التعددية الحزبية، مغرب الفرص المتاحة للجميع، للمشاركة والتعبير..”
وأشار ضيفنا الذي يرثي ماضي السياسة، بأنه إضافة إلى الأحزاب، كانت المخيمات الصيفية والتي لعبت دورا أساسيا، بفضل جمعية الشعلة، وجمعية المواهب، جمعية تربية الشبيبة وغيرها من الجمعيات، التي لم يكن تنظم مخيماتها الصيفية للترفيه فقط، بل كذلك من أجل التمكن من أدوات المشاركة السياسية”
سؤال
ألا يمكن أن نقول بأن هذا نوع من تسييس المخيم؟
“.. لا لا أقصد تسييس المخيم ولكن أقصد بأن الإنسان شابا كان أو طفلا، في المخيم يتعلم روح الوطنية مثلاً، كما يتعلم كيفية الانخراط داخل الجماعة، ونقد الذات والمساهمة في البناء، فكما أسلفت في الحديث، المخيمات الصيفية لعبت دورا أساسيا في تحريك الوعي وترسيخ ثقافة المواطنة والمشاركة السياسية، ثقافة المسؤولية والالتزام، وهي العناصر التي تغيب عند شباب اليوم..”
الدكتور يوسف الكلاخي الذي عاش بدوره مع اليافعين والشباب تجارب المخيمات الصيفية، فاستفاد من أدوارها الهامة في اقتحام الحقل السياسي والحقوقي، بالمعرفة والمشاركة والنقد، تحدث عن مسبب آخر من مسببات العزوف السياسي، وهو غياب دور المدرسة العمومية.
” إضافة إلى ذلك، نسجل تراجع دور المدرسة العمومية، والتي ساهمت بشكل كبير في تكوين الثقافة السياسية، والوعي السياسي لدى القطاع التلاميذي في السبعينات والثمانينات.. أنا عن نفسي لولا تجربة الإخراط في نوادي التربية على المواطنة داخل المؤسسات التعليمية، لم أكن لأعرف ما معنى الحق والواجب والمواطنة، ومسهلك منظومة حقوق الإنسان، والحق في المشاركة، والحق في الانتماء إلى الأحزاب السياسية، والحق في التنظيم والحق كذلك في التظاهر السلمي، للأسف أصبحت هذه النوادي مغيبة، أو حتى حضورها يبقى محتشما داخل المؤسسات التعليمية، وأنا في اعتقادي أنها يمكن أن تلعب دورا أساسيا في التوعية أو في ترسيخ الثقافة السياسية وكذلك في ترسيخ الوعي السياسي..”
وتابع الباحث في قضايا الشباب والسياسات العمومية، بأن الجامعة هي الأخرى، دورها غائب اليوم، ولم تعد كتلك التي كانت في السابق، فضاءا للنقاش وللحوار والثقافة السياسية والوعي السياسي، والانخراط في القضايا الحارقة للمجتمع، اضف إلى ذلك يقول يوسف الكلاخي، تراجع دور الإعلام الحزبي الذي كان يقدم التكوين السياسي والنقاش السياسي، لصالح إعلام التفاهة والرداءة.
ولم تسلم الأحزاب السياسية، من أصبع اتهام أستاذ الفلسفة يوسف الكلاخي لها بالتقصير في وظيفتها.
“.. زد على ذلك تراجع الأحزاب السياسية عن وظيفتها الأساسية التي أكدها الدستور، وهي تأطير المواطنين.. فإذا سألنا الأحزاب من يمينها إلى يسارها، كم عدد منخرطيها؟ منخرط له بطاقة ويساهم في النقاش على المستوى المحلي والإقليمي والوطني، هنا ستجد مشكلا في ضعف عدد المنخرطين.. لذلك هنا يضعف دور الحزب في تعبئة المواطنين، خصوصا الشباب، وألا يجعل هؤلاء الشباب عرضة للتطرف والانحراف، وتبني تمثلات خاطئة عن السياسة، حيث ثمة اليوم فهم خاطئ لدى الشباب عن السياسة عند الشباب..”
واستحضر الباحث الكلاخي خلال حوارنا معه، جيل زد، والذي قال بأنه أبان عن وجود تمثل خاطئ عن السياسة، حين خرج في حراكه يُخَوِّن المؤسسات، ويقول بأن الأحزاب “شفارة”، وهذا شيء طبيعي لأن الأحزاب لم تؤطر هؤلاء الشباب، ولم تساهم بدورها المحوري والأساسي في إرجاع الثقة، ناهيك على خيبات الأمل التي عانى منها الشباب المغربي في مجالات التعليم والصحة وفي مجال التشغيل، وهي الأشياء التي جعلته يفقد الثقة في السياسيين ومن يمارس السياسة، حين أصبح هناك تمثل خاطئ عن السياسة، مع العلم أنه لا يمكن أن نحقق لا تنمية ولا ديمقراطية ولا إصلاحات جدرية بدون أن نمارس السياسة..
إضافة إلى عوامل العزوف الموضوعية التي فصل فيها الدكتور الكلاخي، وضح العوامل الذاتية أيضا، والتي أشار فيها إلى ما هو مرتبط بطبيعة الشباب الهاجرين للسياسية، كالتخوف من أخذ غمار السياسة، وأخذ المبادرة للمشاركة، وتبني أحكام مسبقة المسبقة جاهزة، والمكونة من خلال الإعلام.
” مشكلة الشباب، ليس أنه لا يسأل، بل يتبنى أحكاما جاهزة ومسبقة، دون أن يسأل دون أن يبحث دون أن يفكر، دون أن يبادر، وهذه من بين الأسباب ذاتية التي تولد العزوف عن المشاركة السياسية ناهيك عن الدور السلبي الذي تقوم بمواقع التواصل الاجتماعي، والتي يمكن أن تشكل عائقا كبيرا في زماننا هذا على المشاركة في الحياة العامة..”
ونبه مُحَاوَرُنا إلى خطورة مواقع التواصل الاجتماعي، قائلا بأنها ليست محايدة ويمكن أن توجه الرأي، والمساهمة في تكوين وعي مشوه، وخاطئ لدى الأجيال ولدى الأفراد ولدى الجماعات.
ودعا الكلاخي إلى عدم الاستهانة بتلك المواقع، مشددا على ضرورة تأطيرها كي تصبح فضاء آمنا، وليس فضاء لنشر الأخبار الزائفة والكاذبة، ونشر خطاب الكراهية والتخوين.
سؤال:
ما هي طريقة اشتغالكم في المركز المغربي للشباب والتحولات الديمقراطية لاحتواء ظاهرة العزوف؟
جواب:
” داخل المركز المغربي للشباب وتحولات الديمقراطية منذ انطلاقتنا سنة 2014، ونحن نشتغل على موضوع المشاركة المواطنة للشباب بناء على ما جاء به الدستور، والذي يؤكد على أن المجتمع المدني هو شريك في ديمقراطية تشاركية وكذلك شريك أساسي في تنزيل السياسات العمومية، فبناء على ذلك نحن ندعم مشاركة الشباب في الشأن العام، وكذلك في مساهمة في تنزيل سياسات عمومية تليق بالمواطنين وبالشباب وبكرامتهم وبتطلعاتهم، وكذلك أصدرنا العديد من التقارير حول المشاركة السياسية، وحول المشاركة المواطنة، وقدمنا ملتمسات وعرائض شعبية في هذا الباب، وأوراق سياسات من أجل دعم مشاركة الشباب في قضايا الشأن العام، والانخراط سواء في المجتمع المدني أو في الأحزاب السياسية.. قدمنا دراسة مؤخرا حول أولويات الشباب المغربي ماذا يريد الجيل الجديد والتي جردنا فيها مختلف الأولويات التي يطالب بها الشباب المغربي ”
واسترسل رئيس المركز متوجها للشباب، “المهم أن ننخرط وألا نبقى في وضعية المتفرج، يجب على الشباب أن ينخرط وأن يناقش ويعبر دائما، ليس من خارج المؤسسات ولكن من داخلها”.





















