الرباط، Mcg24
في الشطرنج السياسي بين المغرب وإسبانيا، لا تتحرك الرباط وفق إيقاع الانتخابات أو صخب المواقف العابرة في مدريد، بل وفق حسابات أبعد مدى. إنها دبلوماسية تراهن على الوقت، وتتعامل مع الملفات الحساسة بمنطق التدرج وتراكم المكاسب.
تفرض الجغرافيا نفسها على العلاقة بين البلدين. فالمغرب ليس مجرد جار لإسبانيا، بل شريك أساسي في ملفات الأمن والهجرة والتجارة والاستقرار الإقليمي. وقد وصفت الحكومة الإسبانية المغرب، في مارس 2022، بأنه «شريك استراتيجي لا غنى عنه»، معلنة فتح مرحلة جديدة تقوم على الشفافية والاحترام المتبادل والتواصل الدائم.
التحول الأبرز جاء في ملف الصحراء المغربية. ففي 2022، أعلنت مدريد أن مقترح الحكم الذاتي المغربي هو «الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية» لتسوية النزاع المفتعل. لم يكن ذلك مجرد موقف عابر، بل محطة مهمة في إعادة ترتيب العلاقة بين البلدين.
وفي ملفات الهجرة والأمن، تحولت المصالح المشتركة إلى آلية مستمرة للتعاون. فالتنسيق المغربي الإسباني لم يعد مرتبطًا بأزمة ظرفية، بل أصبح جزءًا من شراكة أوسع تشمل مكافحة شبكات الاتجار بالبشر والتعاون الأمني وحركة الأشخاص والبضائع.
أما سبتة ومليلية، فتبقيان من الملفات التي تحمل حساسية خاصة. المغرب يحافظ على موقفه ومطالبته بالحوار حول وضع المدينتين، بينما تؤكد إسبانيا أن سيادتهما غير مطروحة للنقاش. وبين الموقفين، تستمر إدارة العلاقة بعيدًا عن القطيعة أو التصعيد المفتوح.
هنا تكمن خصوصية المقاربة المغربية: عدم تحويل كل خلاف إلى أزمة، وعدم تحويل كل أزمة إلى قطيعة. فالعلاقة مع إسبانيا تُدار من خلال شبكة واسعة من المصالح، فيما تحتفظ الرباط بملفاتها الاستراتيجية ومواقفها الثابتة.
الدبلوماسية لا تُقاس دائمًا بسرعة النتائج. أحيانا تكون قوتها في قدرتها على الانتظار، وعلى تحويل الجغرافيا والمصالح المشتركة وتراكم المواقف إلى عناصر تفاوض على المدى الطويل.
وفي هذه المعادلة، يبدو «الصبر الاستراتيجي» أكثر من مجرد أسلوب؛ إنه طريقة في إدارة الجوار، حيث لا تُحسم الملفات الكبرى بحركة واحدة، بل بتراكم الخطوات.




