عبدالرحيم لحبابي
أُسدل الستار عن محطة أساسية من المسار الانتخابي، بعد إعلان النتائج الأولية للانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر الجاري، في انتظار استكمال المساطر القانونية والمراحل الدستورية المرتبطة بتشكيل الحكومة الجديدة. وفي قراءة أولية لمخرجات الاقتراع، يرى الدكتور سدي علي ماء العينين أن المشهد السياسي المقبل يحمل أكثر من دلالة، سواء على مستوى موازين القوى بين الأحزاب، أو طبيعة الأغلبية الحكومية المرتقبة، أو شكل المعارضة داخل مجلس النواب.
وتأتي هذه النتائج في سياق دستوري وسياسي ستتلوه محطات أخرى، من بينها انتخاب رئيس مجلس النواب و تعيين رئيس الحكومة وفق المقتضيات الدستورية من الحزب المحتل للمرتبة الأولى ، ثم الدخول في مفاوضات تشكيل الأغلبية، قبل أن يستكمل البرلمان الجديد مساره في أفق افتتاح الدورة التشريعية يوم الجمعة الثانية من أكتوبر.
وبحسب النتائج الأولية التي أعلنتها وزارة الداخلية، تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الترتيب بـ97 مقعدا، متبوعا بالتجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدا، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعدا، فيما حل حزب العدالة والتنمية رابعا بـ54 مقعدا، متقدما بـ41 مقعدا مقارنة بنتيجته في انتخابات 2021. كما حصلت أحزاب أخرى على نتائج متفاوتة، من بينها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بـ26 مقعدا، والتقدم والاشتراكية بـ19 مقعدا، فيما حصل تحالف اليسار على 8 مقاعد.
ويرى الدكتور سدي علي ماء العينين أن هذه الأرقام تؤكد، في جانب منها، التوقع الذي سبق أن طرحه في مقال قبل يومين من يوم الاقتراع حمل عنوان “قراءة في فنجان الانتخابات التشريعية ” على صفحته “اليراع” على الفيسبوك ، عندما رجح استمرار التنافس بين الأحزاب الثلاثة التي شكلت الأغلبية الحكومية خلال الولاية السابقة. وبحسب قراءته، فإن الانتخابات أعادت ترتيب المراتب الأولى دون إحداث قطيعة كاملة مع الخريطة السياسية السابقة.
وفي المقابل، سجلت المعارضة عودة لافتة لحزب العدالة والتنمية، الذي ضاعف غلته اربع مرات مقارنة بانتخابات 2021 ، إضافة إلى حضور اليسار داخل المؤسسة التشريعية من خلال تحالف حصل على ثمانية مقاعد.
وبالنسبة إلى الدكتور ماء العينين، فإن دلالة هذه النتائج لا ترتبط فقط بعدد المقاعد التي حصل عليها كل حزب، وإنما أيضا بطبيعة الأسماء التي دخلت البرلمان أو غابت عنه. ويشير في هذا السياق إلى أن عددا من القيادات السياسية البارزة في أحزاب لم تحقق النتائج نفسها التي كانت تراهن عليها، وهو ما يربطه بطبيعة اشتغال هذه التنظيمات خلال فترة وجودها في المعارضة، وبمدى قدرتها على الحفاظ على الانسجام الداخلي وتقديم خطاب سياسي موحد.
ويضع هذا المعطى، وفق القراءة نفسها، سؤالا آخر يتعلق بطبيعة المعارضة التي ستتشكل داخل مجلس النواب المقبل. فعودة قيادات من العدالة والتنمية، إلى جانب حضور وجوه من اليسار ومن أحزاب أخرى، قد تفرز، بحسب الدكتور ماء العينين، نقاشا برلمانيا مختلفا من حيث طبيعة الخطاب والمواقف، مع استحضار تجارب برلمانية سابقة عرف فيها النقاش السياسي حضورا قويا للمعارضة في تسعينيات القرن الماضي.
وفي الضفة الأخرى، تفرض صدارة حزب الأصالة والمعاصرة قراءة خاصة لمستقبل الأغلبية الحكومية. فالحزب، الذي تأسس في بدايات عهد الملك محمد السادس، حل في المرتبة الأولى في النتائج الأولية بعد ربع قرن من التأسيس و المشاركة، متقدما على حليفيه في الأغلبية السابقة، التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال.
ويرى الدكتور ماء العينين أن هذا المعطى يفتح الباب أمام أكثر من سيناريو بخصوص التحالفات المقبلة، خصوصا أن الأحزاب الثلاثة الأولى هي نفسها الأحزاب التي شكلت الحكومة السابقة، وإن تغير ترتيبها الانتخابي.
ولا يستبعد التحليل استمرار التعاون بين هذه المكونات، معتبرا أن الخلافات التي طبعت الحملة الانتخابية وتبادل الانتقادات بين الأحزاب لا تعني بالضرورة إغلاق باب التحالفات السياسية بعد الانتخابات، إذ تظل مفاوضات تشكيل الأغلبية مرتبطة بنتائج الاقتراع وبالحسابات السياسية والمؤسساتية للمرحلة المقبلة.
غير أن المستجد، وفق القراءة ذاتها، يتمثل أساسا في طبيعة المعارضة التي يمكن أن تنتقل إلى البرلمان الجديد. فارتفاع تمثيلية العدالة والتنمية، إلى جانب حضور اليسار، واستمرار تمثيلية الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية وأحزاب أخرى، قد يجعل المعارضة أكثر تنوعا من حيث المرجعيات والخطابات السياسية.
ويستحضر الدكتور ماء العينين، في هذا السياق، عددا من الأسماء التي لم تتمكن من العودة إلى البرلمان، خصوصا داخل بعض الأحزاب، معتبرا أن خروج قيادات سياسية من المؤسسة التشريعية يشكل أحد أبرز معطيات الانتخابات الحالية، ويطرح أسئلة حول العلاقة بين المواقع القيادية داخل الأحزاب وبين النتائج التي أفرزتها صناديق الاقتراع و بين الحضور الميداني.
ومن بين الملفات التي تفرض نفسها في المرحلة المقبلة، بحسب التحليل، موقع حزب العدالة والتنمية داخل الخريطة السياسية الجديدة.
وهنا يطرح الدكتور ماء العينين سؤالا حول طبيعة الموقع الذي سيختاره الحزب في المرحلة المقبلة: هل سينخرط في تدبير المرحلة الحكومية المقبلة، أم سيختار موقع المعارضة البرلمانية، وما يترتب عن ذلك من مواقف تجاه الملفات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية الكبرى؟
ويشير التحليل، في هذا الصدد، إلى ملفات من قبيل التحضير لاستحقاقات كبرى، وتنزيل السياسات الاجتماعية والاقتصادية، وقضية الوحدة الترابية، والعلاقات الخارجية، إلى جانب الاتفاق الثلاثي المغربي الأمريكي الإسرائيلي، باعتبارها ملفات سبق أن شكلت موضوع نقاش ومواقف سياسية متباينة بين مختلف الأحزاب.
كما يطرح ماء العينين مسألة أخرى مرتبطة بالخيارات الاقتصادية والاجتماعية، خصوصا ما يتعلق بإصلاح صندوق المقاصة، وانعكاسات أي قرارات مستقبلية في هذا المجال على القدرة الشرائية للمواطنين، مع استحضار مواقف عبد الإله بنكيران السابقة والحالية من السياسة الاقتصادية والاجتماعية. و هذا السؤال جاء جوابه سريعا على لسان السيد عبد الاله بنكيران الذي قطع الشك باليقين وقال بعدم إمكانية التحالف مع الأصالة والمعاصرة وسمى ذلك إن حصل ب ” التخربيق” .
وفي قراءة أخرى للنتائج، يلفت التحليل الانتباه إلى أن الوزراء والقيادات البارزة في أحزاب الأغلبية السابقة تمكنوا من الحفاظ على حضورهم البرلماني، في مقابل غياب عدد من القيادات الحزبية الأخرى. ويعتبر الدكتور ماء العينين أن هذا المعطى يستحق التوقف عنده، من زاوية العلاقة بين المسؤولية السياسية والتمثيلية الانتخابية، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن نتيجة الانتخاب تشكل وحدها تقييما شاملا للحصيلة الحكومية.
وبالنسبة إلى الدكتور سدي علي ماء العينين، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تشكيل أغلبية برلمانية قادرة على تأمين النصاب السياسي والمؤسساتي، وإنما في قدرة المرحلة المقبلة على إنتاج حكومة منسجمة في مقابل معارضة فاعلة، قادرة على ممارسة أدوارها في التشريع ومراقبة العمل الحكومي.
وبذلك، فإن نتائج 23 شتنبر لا تمثل نهاية المسار، بقدر ما تشكل بداية مرحلة سياسية جديدة، ستحدد مفاوضات تشكيل الأغلبية وموقع كل حزب داخل البرلمان ملامحها خلال الأسابيع المقبلة.




