MCG24، الرباط
لم تعد سنة 2030 موعداً بعيداً. ففي المغرب، يجري بناؤها منذ الآن، ورشاً بعد ورش.
خط جديد للقطار، مطار يجري توسيع قدراته، طريق تخضع للتحديث، مصنع يفتح أبوابه، ومحطة لتحلية مياه البحر تدخل حيز الإنتاج. وخلف الأرقام الكبرى، تبرز تحولات ملموسة بدأت تتشكل على أرض الواقع.
وتسهم كأس العالم 2030 في تسريع هذا التحول، غير أن الرهان يتجاوز بكثير حدود كرة القدم.
فالإعداد لسنة 2030 لا يعني فقط التحضير لحدث رياضي عالمي، بل يعني أيضاً إعداد مغرب الغد.
بلد يتغير أمام أعين سكانه
بالنسبة إلى من يستقل القطار، أو ينتظر طائرته في المطار، أو يعبر طريقاً جديدة، أو يبحث عن فرصة عمل، فإن المشاريع الكبرى ليست مجرد إحصائيات.
إنها تغير المسافات، وتقلص زمن التنقل، وتقرب بين المدن، وتسهل المبادلات، والأهم من ذلك أنها قد تفتح آفاقاً جديدة.
ومن المرتقب أن تواصل القطارات فائقة السرعة امتدادها نحو مراكش على مسافة تناهز أربعمائة وثلاثين كيلومتراً. وفي الدار البيضاء، يرتقب أن ترتفع بشكل كبير الطاقة الاستيعابية لمطار محمد الخامس.
لكن هناك ورشاً آخر أصبح لا يقل إلحاحاً، ويتعلق الأمر بالماء.
وفي مواجهة الإجهاد المائي، بات تحلية مياه البحر تحتل موقعاً استراتيجياً، مع هدف يقارب ملياراً وسبعمائة مليون متر مكعب سنوياً في أفق 2030.
وتستجيب هذه المشاريع لحاجيات مختلفة، لكنها تحكي القصة نفسها: المغرب يسعى إلى استباق تحديات بلد يتغير حجمه ومكانته.
ومن تحول البنية التحتية، يبرز بشكل طبيعي سؤال آخر: ماذا سينتج المغرب غداً، والأهم، لمن؟
من البناء إلى خلق القيمة
شهد المغرب تحولاً عميقاً في منظومته الإنتاجية.
فصناعات السيارات والطيران والإلكترونيات أصبحت مندمجة في عدد من سلاسل الإنتاج الدولية الكبرى.
لكن هذا النجاح الصناعي يفتح الباب أمام مرحلة جديدة.
فبناء المصانع لم يعد كافياً، بل أصبح المطلوب هو خلق قيمة أكبر داخل المغرب.
ويعني ذلك تطوير المزيد من الكفاءات، وتشجيع الابتكار والبحث، وقبل كل شيء، توفير مزيد من فرص العمل المؤهلة أمام الشباب.
وتوفر الطاقات المتجددة، والنسيج الأقل اعتماداً على الكربون، وتربية الأحياء المائية، فضلاً عن المنتجات المشتقة من الأركان، مجالات يمكن البناء عليها.
والهدف واضح: الانتقال تدريجياً من مغرب ينتج من أجل العالم إلى مغرب ينتج ويبتكر ويخلق قيمة أكبر لفائدته أيضاً.
وستجد هذه الطموحات الاقتصادية مجالاً بارزاً لتجسيدها في المدن التي ستستقبل العالم خلال سنة 2030.
مراكش.. عندما تتحول الواجهة إلى مختبر
ستكون مراكش إحدى أبرز واجهات كأس العالم.
لكن خلف صور الملاعب والفنادق والسياح، هناك مدينة ينبغي أن تواصل حياتها بشكل طبيعي.
فالطرق ووسائل النقل والتطهير والتجهيزات العمومية، كلها مجالات يجب أن تستجيب فيها الاستثمارات المرتبطة بسنة 2030 أيضاً للحاجيات اليومية للسكان.
وهنا تحديداً يتحدد الفرق بين حدث ناجح وإرث حقيقي.
فإذا ساهمت البنية التحتية في تحسين التنقل والخدمات وجودة الحياة بشكل مستدام، فإن كأس العالم سيترك وراءه أكثر بكثير من مجرد ذكريات.
وسيسهم في تسريع تحول كان قد بدأ بالفعل.
قارتان.. وكأس عالم واحدة
سيأخذ هذا التحول أيضاً بعداً دولياً.
فالمغرب وإسبانيا والبرتغال سينظمون معاً كأس العالم 2030: قارتان، وثلاث دول، ومنافسة واحدة.
وبالنسبة إلى المملكة، يشكل ذلك فرصة لإبراز مغرب حديث ومنفتح، مرتبط بأوروبا، ومتجذر في إفريقيا.
لكن الصورة ليست سوى البداية.
فالانفتاح على العالم ينبغي أن يترجم إلى استثمارات، وسياحة، وشراكات، وفرص عمل، وآفاق جديدة أمام الشركات المغربية.
وبعبارة أخرى، فإن التعريف بالمغرب شيء، وتمكين المغاربة من الاستفادة من هذه الرؤية الدولية الجديدة شيء آخر.
الموعد الحقيقي سيكون بعد 2030
في نهاية المطاف، هنا يكمن التحدي الحقيقي.
في سنة 2030، ستكون الملاعب ممتلئة، وستجوب القطارات السكك، وستصل الطائرات من مختلف أنحاء العالم، وستنقل الكاميرات إلى العالم صورة مغرب حديث وديناميكي وطموح.
ثم سيرحل المشجعون.
أما البلد، فسيبقى.
وعندها سيبدأ التقييم الحقيقي.
كم من فرصة عمل تم خلقها؟
ما هي المجالات الترابية التي تغيرت فعلاً؟
هل أصبحت الموارد المائية أكثر أمناً؟
هل أصبحت وسائل النقل أكثر سهولة وإتاحة؟
هل حصل الشباب على آفاق أوسع؟
ستكون هذه الأسئلة أكثر أهمية من عدد الزوار أو حجم الصور التي ستبث من المغرب إلى مختلف أنحاء العالم.
لأن نجاح 2030 لن يقاس فقط بقدرة المغرب على استقبال العالم، بل أيضاً بقدرته على توفير المزيد لمن يعيشون فيه.
فالمغرب لا يبني فقط من أجل 2030.
إنه يبني من أجل ما بعد 2030.
وربما يكون هذا هو الرهان الحقيقي لهذا العقد: أن يجعل المغرب من كأس العالم واجهة له، من دون أن ينسى أن أهم واجهة على الإطلاق تظل هي الحياة اليومية للمغاربة.




