أشرفت صاحبة السمو الملكي الأميرة للا أسماء، رئيسة مؤسسة للا أسماء، يوم الخميس بالرباط، على تدشين جامعة للا أسماء، التي تقدم نموذجا للتعليم العالي الدامج، يجمع بين علوم السمع ولغات الإشارة والتكنولوجيا والابتكار والتكوين المهني، ويفتح آفاق الدراسة أمام الشباب الصم وضعاف السمع وذوي السمع الطبيعي.
ويجسد هذا المشروع التزام مؤسسة للا أسماء بتعزيز الإدماج الاجتماعي والمهني للأشخاص في وضعية إعاقة، من خلال توفير تكوين مجاني في علوم السمع وتخصصات مرتبطة بها، إلى جانب تطوير البحث العلمي والابتكار وتكوين الكفاءات التي ستساهم في تحسين الخدمات الصحية والتواصلية بالمغرب.
وأوضح بلاغ للمؤسسة أن الجامعة تضم أربع مدارس تقدم 16 دبلوما، تمتد من الشهادات المهنية إلى مستوى الماستر، مع توفير 3500 مقعد، فضلا عن داخلية مرتقب افتتاحها سنة 2027 لاستقبال الطلبة القادمين من مختلف جهات المملكة ومن الخارج.
جامعة دامجة تجمع الطلبة الصم وذوي السمع الطبيعي
تقوم فلسفة جامعة للا أسماء على تمكين الطلبة الصم وضعاف السمع والطلبة ذوي السمع الطبيعي من متابعة دراستهم في الفضاءات نفسها، والاستفادة من مسارات تكوينية تتيح لهم اكتساب مهارات مشتركة ومتخصصة، تمهيدا لاندماجهم في سوق الشغل.
ووفق البلاغ، لا يقتصر المشروع على توفير التكوين الأكاديمي، بل يسعى أيضا إلى نشر ثقافة الولوجيات داخل المجتمع، من خلال تأهيل مهنيين قادرين على التواصل مع الأشخاص الصم وتطوير خدمات ومرافق أكثر شمولا، في أفق سنة 2030.
وتستند الجامعة إلى شراكات مع مؤسسات أكاديمية وطبية مغربية ودولية، من بينها معهد باستور، ومؤسسات بباريس وشيكاغو ومونبليي ولوفان، إلى جانب جامعة محمد الخامس بالرباط، بما يتيح تعزيز التكوين والبحث العلمي وتبادل الخبرات.
خمس اتفاقيات لتعزيز التعاون العلمي والطبي
وبهذه المناسبة، وقع كريم الصقلي، الرئيس المنتدب لمؤسسة للا أسماء، خمس اتفاقيات تعاون تروم ترسيخ مكانة الجامعة في مجالات علوم السمع وزراعة القوقعة ولغات الإشارة والابتكار.
وشملت الاتفاقية الأولى المعهد الاستشفائي الجامعي «ريكونيكت» بباريس، الذي يجمع بين معهد باستور وثلاثة مستشفيات تابعة للمؤسسة الاستشفائية العمومية بباريس، وهي مستشفى نيكير للأطفال المرضى، ومستشفى بيتيي سالبيتريير، ومستشفى لاريبوازيير.
وتهدف هذه الشراكة إلى تمكين الجامعة من الاستفادة من الأبحاث المتقدمة في مجال الصمم، بما في ذلك الأبحاث الجينية والعلاج الجيني، فضلا عن الخبرات الطبية المتعلقة بسمع الأطفال والبالغين.
كما أبرمت الجامعة اتفاقية مع جامعة مونبليي الفرنسية ومركز «أوديوكامبوس» وأكاديمية «كوكلير»، بهدف نقل نماذج التكوين في مهن تجهيزات السمع وزراعة القوقعة إلى المغرب، ودعم البحث العلمي وتطوير دبلوم متخصص في هذا المجال.
وشملت الشراكات أيضا الجامعة الكاثوليكية بلوفان، والمدرسة العليا ليونار دو فانشي، والمصحات الجامعية سان لوك ببلجيكا، من أجل تعزيز التعاون في الرعاية السريرية المرتبطة بزراعة القوقعة وتكوين أخصائيي السمع.
وعلى المستوى الوطني، وقعت الجامعة اتفاقية مع جامعة محمد الخامس بالرباط لتعزيز التعاون في التكوين والبحث العلمي، فيما تهم الاتفاقية المبرمة مع الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة تكوين مترجمي لغة الإشارة وتطوير برامج إعلامية متاحة للجميع، إلى جانب فتح آفاق مهنية جديدة أمام الشباب الصم في مجالات الصورة والإنتاج السمعي البصري.
وكانت مؤسسة للا أسماء قد أبرمت، قبل أسابيع، اتفاقية سادسة مع مؤسسة أكاديمية أمريكية من شيكاغو، لتطوير التكوين والبحث في مجال التحليل التطبيقي للسلوك، ودعم مسلك الماستر والمختبر المتخصص، من خلال تكوين محللين معتمدين وتبادل الخبرات والأساتذة والطلبة.
أربع مدارس تغطي تخصصات صحية ورقمية ومهنية
تضم الجامعة أربع مدارس رئيسية، صممت لتوفير مسارات متنوعة تستجيب لحاجيات القطاع الصحي وسوق الشغل، مع اعتماد مقاربة دامجة تتيح للطلبة ذوي الإعاقة السمعية متابعة التكوين في ظروف ملائمة.
وتختص مدرسة علوم السمع والتواصل وعلوم الأعصاب السريرية بتكوين مهنيين في طب السمع، وتقويم النطق، والعلاج السمعي اللفظي، والإرشاد الأسري، وعلم النفس السريري والتحليل التطبيقي للسلوك. كما توفر دبلوما متخصصا في زراعة القوقعة موجها إلى جراحي الأنف والأذن والحنجرة، ضمن عرض تكويني مجاني في علوم السمع.
أما مدرسة لغات الإشارة والترجمة الفورية والولوجيات، فتهدف إلى تكوين مترجمي لغة الإشارة والمدرسين المتخصصين والمهنيين في الإعلام الدامج، بما يعزز التواصل بين الأشخاص الصم وباقي فئات المجتمع.
وتوفر المدرسة الدامجة للتكنولوجيات والابتكار والإبداع الرقمي تكوينا في المعلوميات والذكاء الاصطناعي والتصميم الغرافيكي والفن الرقمي، بينما تركز المدرسة الدامجة للمهن والتكوين المهني على تخصصات الإنفوغرافيا وصناعة الحلويات والشوكولاتة والطبخ والخدمات، إلى جانب شهادات اعتماد من شركة «مايكروسوفت».
ويتيح هذا التنوع أمام الحاصلين على شهادة البكالوريا، سواء كانوا من الصم أو من ذوي السمع الطبيعي، إمكانية التخصص في مجالات متعددة، تشمل علوم السمع وتقويم النطق وعلم النفس السريري والترجمة بلغة الإشارة وتطوير الذكاء الاصطناعي، فضلا عن المهن الحرفية والخدماتية.
سبعة مختبرات للبحث والتدريب والابتكار
تحتضن جامعة للا أسماء سبعة مختبرات تجمع بين البحث العلمي والتطبيقات العملية والتأهيل المهني، بهدف تمكين الطلبة من اكتساب مهارات تستجيب لمتطلبات المهن المستقبلية.
ويخصص مختبر الابتكار للأبحاث في الذكاء الاصطناعي والروبوتات البشرية، بما في ذلك تطوير تقنيات تساعد على التواصل بلغات الإشارة. أما مختبر الحركة، الذي جرى تجهيزه بتعاون مع الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، فيوفر استوديو لالتقاط الحركة وتسجيل لغة الإشارة المغربية، بهدف تطوير شخصيات افتراضية ومحتويات تعليمية وقاموس بصري مرجعي.
ويعمل مختبر الإدماج على التوجيه وتنمية المهارات التواصلية والعلاقاتية ودعم ريادة الأعمال، في إطار تعاون مغربي بلجيكي، بينما يتيح المختبر الرقمي للطلبة تصميم المواقع الإلكترونية والتطبيقات والبرمجيات وتطويرها.
وتضم الجامعة كذلك مختبرا متخصصا في تشريح الأنف والأذن والحنجرة، يتيح للجراحين التدريب على الإجراءات المرتبطة بزراعة القوقعة قبل إجرائها، إلى جانب مختبر للسمع لإجراء الفحوصات وضبط أجهزة المساعدة السمعية، ومختبر للتحليل التطبيقي للسلوك يركز على تعلم أساليب مواكبة الأطفال ذوي الاحتياجات النمائية المختلفة.
وتعكس هذه البنية رغبة الجامعة في الجمع بين المعرفة النظرية والتدريب العملي، بما يساعد على إعداد كفاءات متخصصة في المجالات الطبية والتكنولوجية والتربوية.
تكوين الكفاءات استعدادا لمونديال 2030
يمتد مشروع الجامعة إلى ما هو أبعد من التكوين الأكاديمي، إذ يهدف إلى تحسين ولوج الأشخاص الصم وضعاف السمع إلى الخدمات اليومية، من خلال تدريب العاملين في المؤسسات البنكية والفندقية والإدارية والرياضية على استقبالهم والتواصل معهم.
وذكر البلاغ أن مؤسسات ستوفد موظفين إلى الجامعة للاستفادة من تكوينات في هذا المجال، من بينها مؤسسة بنكية لتدريب موظفيها على استقبال الزبائن الصم، ومؤسسة فندقية لتأهيل موظفي الاستقبال، فضلا عن تكوين فرق استقبال بأحد الملاعب المرتبطة باستعدادات كأس العالم لكرة القدم 2030.
ويكتسي هذا التوجه أهمية خاصة في سياق استعداد المغرب، إلى جانب إسبانيا والبرتغال، لتنظيم كأس العالم 2030، إذ تسعى الجامعة إلى المساهمة في تأهيل مرشدين وموظفي استقبال بالفنادق والملاعب، وأعوان بالمؤسسات البنكية والإدارات، بما يضمن تواصلا أكثر يسرا مع الزوار الصم وضعاف السمع.
كما ستتيح الجامعة فرصا للتكوين أمام شباب استفادوا سابقا من خدمات مؤسسة للا أسماء، بمن فيهم أشخاص خضعوا لزراعة القوقعة خلال طفولتهم، ليتابعوا دراستهم إلى جانب زملائهم في المسارات نفسها.
من تقديم الرعاية إلى تكوين أجيال جديدة من المتخصصين
ونقل بلاغ المؤسسة عن كريم الصقلي أن عمل مؤسسة للا أسماء انتقل من تقديم الرعاية إلى تكوين الأشخاص الذين سيتولون تقديمها مستقبلا، من خلال جمع الطلبة الصم وذوي السمع الطبيعي داخل فضاء تعليمي واحد، في إطار رؤية تجعل الإدماج ممارسة يومية.
وخلال حفل التدشين، استقبلت البروفيسورة نوال بويحياوي، رئيسة جامعة للا أسماء، صاحبة السمو الملكي الأميرة للا أسماء، التي أزاحت الستار عن اللوحة التذكارية، قبل أن تقوم بجولة شملت المختبرات والورشات، وتلتقي بأعضاء هيئة التدريس والمسؤولين والشركاء المشاركين في المشروع.
ويقدم إطلاق جامعة للا أسماء، بحسب البلاغ، نموذجا يجمع بين التعليم العالي والرعاية السمعية والابتكار والإدماج المهني، مع الرهان على تكوين أجيال جديدة من المتخصصين وتوسيع الولوجيات داخل المؤسسات والخدمات، بما يعزز فرص المشاركة الكاملة للأشخاص الصم وضعاف السمع في الحياة العامة.




