لا يتعلق الأمر هنا بدماء الأدمغة والكفاءات التي غادرت أرض الوطن، في لحظة سبات القوم، بحثا عن لقمة عيش تعادل سهر الليالي من أجل التحصيل العلمي، تاركة فراغات مهولة في مسار بلادنا التنموي، فهؤلاء رحلوا عنا لحما ودما…
لا يتعلق الأمر هنا بدماء أولئك الفتية الذين اختاروا ذلك الزحف الجماعي على مدينة سبتة المحتلة، راسمين خدوش عار على جبيننا الجماعي، لا يمحوها الزمن بسهولة…فدمهم روى مقبرة سيدي امبارك…
لا يتعلق الأمر هنا بدماء من اختاروا ركوب قوارب الموت فرارا من الخبز الحافي، وسخطا على الحال والمآل، فدمهم زاد مياه البحر المالحة ملوحة…
فهؤلاء وأولئك الذين سقطوا سهوا من أجندة التنمية، ليسوا قطرات دم، بل بركا من الدم الطاهر لجيل لم يجد مكانا في “الهنا” يحتوي أحلامه، فاختار وهما بديلا عن الوطن…
فقطرات الدم التي أقصد، تتعلق فقط بتلك التي تُهَجَّر قصرا خارج أرض الوطن إلى المختبرات الفرنسية، من أجل القيام بالتحليلات التي يحددها الأطباء للحصول على المعطيات الضرورية التي يتطلبها علاج بعض الأمراض.
كنت أشعر بفخر ليس بعده فخر وأنا أعبر شوارع مدينة الرباط، باحثا عن لقمة عيش، حين تحاصرني تلك البناية الزجاجية العملاقة بروعتها وجمال هندستها…إنه مستشفى ابن سناء في نسخته الجديدة…ويزداد فخري حين أزور الأهل بالدواوير المجاورة لمطار بنسليمان، فنتجاذب أطراف الحديث عن معمل تصنيع وتعبئة اللقاحات، باعتباره مشروعا استراتيجيا يرمي إلى تحقيق السيادة اللقاحية لبلادنا…وتغمرني سعادة لا توصف حين أرى البراق يعبر البوادي والقرى والمدن بسرعة فائقة، في سبق قاري لا يضاهى…ولا تفوتني تلك الوقفة التأملية بمنطقة “الطلال” حيث يشيد الآن الملعب الكبير لبنسليمان، الذي سيكون أكبر ملعب كرة قدم على وجه الكرة الأرضية، وسيستضيف مباريات كأس العالم 2030.
كم هي كثيرة تلك المشاريع العملاقة المفتوحة التي تعرفها بلادنا على جميع المستويات، إلا أن قطرات الدم ما تزال تُهَجَّر قصرا إلى فرنسا…حقيقة مرة عشتها خلال الشهر الماضي حين طلب الأطباء من أحد أفراد العائلة القيام بتحليلات للدم…رافقته في رحلته العلاجية…أجرينا عدة تحاليل، هجرت خلالها قطرات دمه إلى فرنسا…لا تهم التكلفة المالية لكل تحليلة رغم تأثيرها البالغ…ولكن ما يهم أكثر هو التكلفة الزمنية التي تستهلكها رحلة تلك القطرة ذهابا وإيابا إلى المختبرات الفرنسية…نصف شهر أو ما يزيد لكل واحدة…لا دواء…لا علاج…في انتظار التوصل بالنتيجة…
أسئلة ثقيلة بحجم الجبال حاصرتني وأنا أتأمل هذا التهجير القصري لدمائنا خارج أرض الوطن…أهو عجز عن توفير مختبر بإمكانه القيام بهذه التحليلات محليا؟ أم أن الأمر يتعلق باختيار “استراتيجي” يعسر على البسطاء من أمثالي إدراكه؟ أم أن هناك مجهودات تبذل-في غفلة منا-لتحقيق السيادة “المختبرية” (إن صح التعبير) في القريب العاجل؟ أم أنه لا شيء من هذا ولا ذاك؟ رغم المجهودات التي يؤكد القائمون على المجال الصحي أنهم يبذلونها لضمان “الأمن الصحي” لجميع المغاربة.
وحين تصل تلك القطرة المسكينة إلى المختبرات الأجنبية، تطرح أسئلة تقظ المضجع أيضا، تتعلق بمدى تتبع المعطيات المتعلقة بهذه الدماء…ما طبيعة الأمراض؟ هل تستغل المعطيات الخاصة بهذه الدماء من طرف جهات خارجية، خاصة تلك المتعلقة بتتبع البصمات الجينية لمرضى المغرب؟ هل تحاط نتائج التحليلات بالسرية المطلوبة؟ هل هناك بنك معلومات بتلك المختبرات عن تطور الأمراض ببلادنا؟
أسئلة قد تكون غبية…قد تكون بدون معنى…إلا أن الأكيد أن “أمننا الصحي” يحتاج إلى أسئلة أعمق وأكثر حرقة…وإلى أجوبة تتجاوز الأزمنة الحكومية…وثنائية الأغلبية والمعارضة…تستحضر حق المواطن المغربي في الخدمات الصحية بشكل يضمن كرامته…وفي أن لا توظف قطرات دمه قصرا في بنوك معطيات مختبرات الاغتراب ومن يدور في فلكها…



