إذا كان تعثر مجلس الأمن في تجديد ولاية المينورسو قد كشف أزمة النموذج الذي أدار ملف الصحراء لأكثر من ثلاثة عقود، فإن السؤال الأكثر أهمية بالنسبة للمغرب يتعلق بما ينبغي أن يأتي بعد ذلك. فالقيمة الحقيقية لأي تحول دبلوماسي لا تقاس فقط بما ينهيه من ترتيبات قديمة، بل بما يتيحه من إمكانات لبناء معادلة سياسية جديدة.
وهنا تبرز أهمية البلاغ الملكي الذي أعقب جلسة مجلس الأمن. فالبلاغ لم يتعامل مع عدم تجديد ولاية البعثة باعتباره مجرد تطور إجرائي، بل وضعه في سياق تحول استراتيجي أوسع، وربطه بالدينامية الدبلوماسية التي تقودها المملكة، وبالانتقال من منطق تدبير النزاع إلى أفق الطي النهائي لهذا الملف. وهذه القراءة ليست تفصيلا في الصياغة، بل تعكس توجها سياسياً يريد المغرب من خلاله الانتقال من موقع الدفاع المستمر عن موقفه إلى موقع المبادرة في تحديد شروط الحل.
واللافت في البلاغ الملكي أنه لم يفصل بين التطور الأممي وبين الرؤية المغربية لمستقبل الأقاليم الجنوبية. فالمملكة لا تنظر إلى القضية باعتبارها مجرد ملف تفاوضي داخل الأمم المتحدة، بل باعتبارها قضية سيادة ووحدة وطنية ومشروعا استراتيجيا يرتبط بمستقبل الدولة وموقعها الجيوسياسي. ومن هنا يمكن فهم الإصرار على ربط هذا التطور بعيد الوحدة، بما يحمله من دلالات تتجاوز الاحتفال الرمزي إلى التعبير عن مرحلة جديدة في مسار استكمال الوحدة الترابية.
لقد أدرك المغرب منذ سنوات أن المعركة الدبلوماسية لا يمكن أن تظل محصورة في الدفاع عن شرعية موقفه التاريخي، وأن مواجهة الأطروحة الانفصالية لا تتحقق فقط عبر الرد على خصوم المملكة داخل المحافل الدولية. كان المطلوب هو تغيير البيئة السياسية التي يتحرك فيها النزاع، وإعادة تشكيل نظرة القوى الدولية إلى طبيعة الحل الممكن. وهذا ما اشتغلت عليه الدبلوماسية المغربية عبر توسيع شبكة الشراكات، وتعزيز الحضور الإفريقي، وتطوير العلاقات مع القوى الكبرى، وتحويل مبادرة الحكم الذاتي إلى مرجعية متزايدة الحضور في النقاش الدولي.
إن التحول الأهم الذي حققه المغرب لا يكمن فقط في ارتفاع عدد الدول الداعمة لمبادرته، بل في تغير طبيعة السؤال المطروح دولياً. فبدلا من الاقتصار على مناقشة الخيارات النظرية المتنافسة، أصبح النقاش يتجه بصورة متزايدة نحو مدى واقعية الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية وقدرته على توفير تسوية سياسية قابلة للتنفيذ. وهذا فارق استراتيجي؛ لأن الدبلوماسية لا تحقق أهدافها بمجرد كسب مواقف سياسية، بل عندما تنجح في جعل تصورها للحل نقطة الانطلاق التي يصعب تجاوزها عند صياغة أي تسوية.
ولعل هذا ما يفسر أهمية التحول في الموقف الأمريكي. فالولايات المتحدة لم تكتف في مشروعها الأخير بتجديد ولاية البعثة والإشارة إلى الحكم الذاتي، بل ذهبت أبعد من ذلك حين جعلت الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الأساس الوحيد للتفاوض في الصيغة التي عرضتها على مجلس الأمن. صحيح أن المشروع لم يُعتمد بسبب الفيتو الروسي، لكن مجرد طرحه بهذا الوضوح يعكس مستوى التقدم الذي بلغه الموقف المغربي في حسابات إحدى القوى الأكثر تأثيراً في الملف.
ولا ينبغي أن يُقرأ هذا التطور بمعزل عن التحولات التي عرفتها الأقاليم الجنوبية. فالمغرب لم ينتظر تسوية النزاع كي يبدأ بناء المستقبل، بل جعل التنمية والاستثمار والبنيات التحتية جزءاً من استراتيجيته في تثبيت حضوره. لقد تحولت مدن الجنوب إلى فضاء لمشاريع اقتصادية ولوجستية وطاقية، وأصبحت الموانئ والبنيات الطرقية ومشاريع الربط الإفريقي عناصر في تصور جيوسياسي يتجاوز الحدود الوطنية نحو المحيط الأطلسي وعمق القارة.
إن مشروع ميناء الداخلة الأطلسي، على سبيل المثال، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد منشأة اقتصادية، بل باعتباره جزءا من رؤية تجعل الأقاليم الجنوبية بوابة استراتيجية للمغرب نحو إفريقيا الأطلسية. كما أن الاستثمارات في الطاقات المتجددة والربط الطرقي واللوجستي تعزز موقع هذه الأقاليم داخل الاقتصاد الوطني والإقليمي. وهكذا أصبحت التنمية أداة من أدوات السياسة الخارجية، وأصبح الواقع الميداني جزءا من الحجة المغربية في الدفاع عن مشروعها.
لكن هذه المقاربة تفرض أيضا مسؤولية أكبر. فالمطلوب ليس فقط إنجاز المشاريع الكبرى وعرضها على المجتمع الدولي، بل ضمان انعكاسها على حياة السكان، وتوسيع فرص الشغل، وتحسين الخدمات، وتعزيز المشاركة المحلية في تدبير الشأن العام. فالقوة الاستراتيجية لأي مشروع سياسي لا تقاس بحجم الاستثمارات وحده، بل بقدرته على إنتاج التنمية والاندماج والاستقرار، وعلى جعل المواطنين شركاء فعليين في صناعة المستقبل.
وفي المقابل، تجد الجزائر نفسها أمام معادلة تزداد تعقيدا. فقد ظلت تراهن على استمرار النزاع باعتباره ورقة مؤثرة في توازنات المنطقة، وعلى إبقاء الملف مفتوحاً داخل المؤسسات الدولية. لكن التحولات الأخيرة تطرح عليها سؤالا لم يعد من السهل تأجيله: إلى أين يمكن أن يقود استمرار هذا المسار؟ وهل تستطيع المنطقة المغاربية تحمل كلفة عقود إضافية من القطيعة والتوتر، في وقت تحتاج فيه إلى تعاون اقتصادي وأمني لمواجهة تحديات الساحل والهجرة والطاقة والتنافس الدولي؟
إن الرهان المغربي لا ينبغي أن يكون تحويل هذا التحول إلى مواجهة مفتوحة مع الجزائر، بل جعل الحل السياسي مدخلاً لإعادة بناء شروط الاستقرار الإقليمي. فالمغرب يملك مصلحة استراتيجية في مغرب عربي كبير متعاون، وفي منطقة شمال إفريقية قادرة على تجاوز الحسابات الضيقة. غير أن تحقيق ذلك يظل مرتبطاً بوجود إرادة سياسية تتعامل مع الواقع بعيدا عن منطق الصراع الدائم.
ومن هنا تبرز ضرورة التمييز بين انتصار الموقف المغربي وبين اكتمال تسوية النزاع. فالأول حقق تقدماً ملموساً على المستوى الدبلوماسي، أما الثاني فما زال يتطلب عملاً سياسياً وأمنياً ومؤسساتياً. وعدم تجديد ولاية المينورسو لا يلغي تلقائياً التحديات المرتبطة بوقف إطلاق النار، ولا يضمن اختفاء التوترات الميدانية.
وهنا ستكون مسؤولية المغرب مضاعفة. فالمملكة التي نجحت في بناء صورة دولة مستقرة وموثوقة، مطالبة اليوم بأن تثبت أن قوتها لا تكمن فقط في قدرتها على الدفاع عن سيادتها، بل أيضا في قدرتها على إدارة التحولات بحكمة، والحفاظ على الأمن، ومواصلة الانفتاح الدبلوماسي. فالحزم في الدفاع عن الوحدة الترابية لا يتعارض مع ضبط النفس، والثقة في الموقف الوطني لا تعني الاستهانة بحسابات المرحلة.
كما أن المرحلة المقبلة تستدعي الانتقال من الدفاع عن مبادرة الحكم الذاتي إلى تطوير مضمونها المؤسساتي والعملي. فكلما أصبح المشروع أكثر وضوحاً من حيث الصلاحيات، وآليات التدبير، والتمثيلية، والموارد، وضمانات المشاركة والتنمية، ازدادت قدرته على إقناع الأطراف الدولية بأنه ليس مجرد عنوان سياسي، بل تصور قابل للتنفيذ يوفر شروط الاستقرار والاندماج. وهذا هو الرهان الذي ينبغي أن تتحول إليه الجهود المغربية: الانتقال من كسب التأييد للمبادرة إلى إبراز جاهزيتها السياسية والمؤسساتية.
ولعل الربط الملكي بين هذه المرحلة وعيد الوحدة يحمل في هذا السياق معنى أعمق. فالوحدة ليست مجرد استحضار لحدث تاريخي، بل هي مشروع مستمر لبناء دولة متماسكة في مجالها الترابي، متوازنة في تنميتها، ومنفتحة على محيطها. والصحراء، في هذا التصور، ليست هامشاً جغرافياً، بل فضاء استراتيجيا في مستقبل المغرب، وجسرا نحو إفريقيا الأطلسية، وعنصرا أساسيا في تموقع المملكة داخل التحولات الدولية المقبلة.
إن ما يتشكل اليوم ليس مجرد نهاية محتملة لمهمة أممية، بل فرصة لإعادة تعريف موقع المغرب في معادلة الصحراء. لقد انتقلت المملكة تدريجياً من الدفاع عن موقفها في مواجهة أطروحات منافسة إلى جعل مشروعها السياسي محوراً أساسياً في البحث عن الحل. وهذا التحول هو ثمرة تراكم طويل، لا ينبغي اختزاله في جلسة واحدة أو قرار لم يصدر.
لكن التاريخ لا يمنح الانتصارات النهائية بمجرد تغير المواقف الدولية. إنه يختبر قدرة الدول على تحويل الفرص إلى إنجازات مستدامة. والمغرب اليوم أمام هذا الاختبار تحديدا: أن يحافظ على زخمه الدبلوماسي، ويعمق تنمية أقاليمه الجنوبية، ويصون الاستقرار، ويقدم نموذجا سياسيا ومؤسساتيا يعكس جدية مشروع الحكم الذاتي.
لقد راهن خصوم المملكة طويلا على أن مرور الزمن سيُبقي قضية الصحراء معلقة، وأن استمرارها داخل المؤسسات الدولية سيمنح الأطروحة الانفصالية حياة سياسية متجددة. لكن الزمن حمل معه تحولات لم تكن في حساباتهم، وأعاد تشكيل موازين النقاش الدولي، ورفع من وزن المقاربة المغربية القائمة على الواقعية والحل السياسي.
المغرب لم يصل بعد إلى نهاية المعركة، لكنه نجح في تغيير طبيعتها.
وهذا هو جوهر المرحلة الجديدة: لم يعد الرهان المغربي مجرد منع فرض حل يتعارض مع سيادته، بل جعل الحل الذي يقترحه هو الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق، والأقدر على فتح أفق الاستقرار في المنطقة.
إن معركة الحسم لن تُقاس هذه المرة بعدد الاجتماعات الأممية أو بمدة ولاية بعثة دولية، بل بقدرة المغرب على تحويل التقدم الدبلوماسي إلى تسوية سياسية، وتحويل السيادة إلى مشروع تنمية ومؤسسات ومشاركة.
لقد تغيّرت قواعد اللعبة، لكن الأهم الآن أن ينجح المغرب في تحويل هذا التغيير إلى واقع نهائي ومستدام.





