ثقافة

صدى رجالات أسفي في التاريخ – الحلقة 35

إعداد: الدكتور منير البصكري الفيلالي / أسفي

الدكتور عبد الرحمان التوهامي  الطبيب والإنسان.. رجل آخر من رجالات مدينة أسفي، قدم الكثير من جميل الأفعال ورصانة الأعمال لمدينته ولوطنه ومواطنيه.. فكان نعم المسؤول، سواء في مجال تخصصه كطبيب، أو في مجال تحمل المسؤولية كمدير لعدة مستشفيات في الصويرة وبني ملال والدارالبيضاء والرباط قبل أن يعينه المغفور له الملك الحسن الثاني وزيرا للصحة العمومية في حكومة السيد أحمد عصمان، وذلك في 13 مارس 1975.
كانت ولادته بأسفي حوالي 1929 أو 1930، بها نشأ وتربى في اسرة طيبة إلى جانب أخيه السي محمد التوهامي، أحد الأساتذة المبرزين في تدريس مادة الرياضيات بأـسفي
تعرفت إلى الدكتور التوهامي خلال بعض زياراته لأسفي.. كان رجلا وسيما، قصير القامة، أبيض اللون، معتدل الجسم، مرح، هادئ الطبع، اجتماعي ..
التحق بالمدرسة الابتدائية بأسفي، ومنها شد الرحال إلى ثانوية محمد الخامس بمراكش، ثم بعد ذلك إلى الرباط، حيث سيحصل على شهادة الباكالوريا ليتابع دراسته في الطب بمدينةتولوزالفرنسية. وبعد تخرجه، عاد إلى المغرب حيث تنقل بين بعض المدن المغربية ممارسا ومسؤولا عن مجال الصحة بتلك المدن كمدير لمستشفياتها، فأبان عن كعب عال في التطبيب وتحمل المسؤولية.
 
عرف السي عبد الرحمان بكرم أخلاقه العالية، متواضع، اجتماعي، ثقافته عالية ومتنوعة، متمكن منها، دقيق الخبرة، كريم يعطي بدون تردد، وهذا بشهادة غير قليل من أبناء أسفي الذين عرفوه عن قرب. وبمثل هذه الصفات الحميدة، حظي بثقة الملك الحسن الثاني قدس الله روحه، الذي اختاره ليكون طبيبه الخاص، فكان الدكتور التهامي جديرا بهذه المهمة الصعبة.
  
كانت لعلاقات السي عبد الرحمان مع مختلف طبقات وشرائح الناس، دور كبير في حياتهم.. لذلك، نجده دائم التفاعل معهم ومعايشتهم مشاكلهم وأحداثهم، فأحس الناس أنه قريب منهم. والدليل على ذلك، كثرة تردده على مدينته أسفي كلما سنحت الفرصة  لزيارة الأهل والأحباب، وربط صلة الرحم معهم.. فطالما صادفناه في الطريق يبحث عن أصدقاء الطفولة، يستفسرهم عن أحوالهم، ويتذكر معهم مغامرات الزمن الجميل. لذلك، عرف السي عبد الرحمان بقاعدة اجتماعية متينة جعلت منه رجلا يحظى باحترام وتقدير كل من يراه ، نظرا لما كان يتمتع به من شخصية لطيفة ومؤدبة . فإليه يعود الفضل في التوسعة التي عرفها مستشفى محمد الخامس بأسفي. ففي عهد تحمله لمسؤولية وزارة الصحة اتخذ قرار توسيع المستشفى المذكور وجهزه بأحدث التجهيزات الطبية، حيث سيقوم هذا الجناح بتقديم الكثير من الخدمات الطبية العلاجية. إضافة إلى المساعدات التي كان يقدمها سواء لأبناء مدينته أو لغيرهم من المواطنين، حيث وجدوا فيه اهتماما ورعاية كبيرة وفائقة كوزير للصحة العمومية.
والحقيقة  أن الدكتور التوهامي، اسم يختصر فترة زمانية زاهية بأعماله وأقواله.. فهو المؤمن الصادق والطبيب الإنسان، والباحث العاشق .. كلما ازداد المرء منه قربا، ازداد له حبا، يفيد ويستزيد، رجل المهمات والمسؤوليات، إذ كانت حياته ـ رحمه الله ـ حافلة بموفق الإنجازات، يساعده على النجاح في ذلك ، إرادة قوية، جذوتها مشتعلة في كل وقت وحين، وهمة موصولة الأسباب، وإيمان عميق بثقل المسؤولية ووجوب أدائها بصدق وأمانة. فهو الطبيب المسؤول والعالم المشارك والمثقف المتزن.. لم يكن مديرا إداريا للمستشفيات فحسب، ولا وزيرا على قطاع معين، وإنما كان الطبيب الإنسان، يزور مرضاه ويطمئن عليهم، ويستفسر عن أحوالهم في أوقات مختلفة بتواضع ونبل، فينسى المريض آلامه  ويؤمل الشفاء، إذ يجد في عناية المدير/ الوزير /  الطبيب / الإنسان ، بلسما لجراحه ودواء لأدوائه.
  
هكذا ينبغي لأسفي أن تسعد وتفخر برجالاتها عبر تاريخها الحضاري المجيد.. إذ لم تخل هذه المدينة في أي فترة من فترات تاريخها بأمثال هؤلاء الرجال الأوفياء، فقد كانوا نبعا ثرا، يسعون لخدمة وطنهم في صمت وحب.
فلعل أبناء أسفي اليوم أن يجدوا في مثل هؤلاء الرجال القدوة الحسنة، فهم لوحدهم نسيج في ذاكرة المدينة والوطن، يتضوع عطرهم في كل مكان نتحدث فيه عنهم.
          
وإنما المرء حديث بعده       فكن حديثا حسنا لمن وعى
توفي السي عبد الرحمان التوهامي بمدينة الرباط بعد مرض ( الطحال) الذي ألزمه الفراش.. وما قلناه عن هذا الرجل هو فقط غيض من فيض، إذ لا تسعف الكلمة المبحوحة بالحديث عن السي عبد الرحمان الطبيب والإنسان كما هو أهل له. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
MCG24

مجانى
عرض