ثقافةغير مصنف

دور البحث العلمي الجامعي في تطوير آليات تنزيل الفقه المالكي في القضايا الأسرية

إعداد : الدكتور منير البصكري
عند النظر إلى تطور مسيرة البحث العلمي، نجد بأن طرق البحث العلمي عبر التاريخ، لم تبدأ بداية علمية منظمة. فقد مرت بمراحل متعددة .. ويعود الكثير من التقدم العلمي وتطوره لما يقدمه الباحثون من جهود. وقد عرف البحث العلمي بأنه عملية فكرية منظمة يقوم بها الباحث من أجل تقصي الحقائق العلمية بشأن مسألة أو مشكلة معينة، باتباع طريقة علمية منظمة بغية الوصول إلى حلول ملائمة للعلاج، إلى نتائج صالحة للتعميم على المشكلات المماثلة.
والجامعة هي المكان الأمثل للبحث العلمي الجاد الذي يقوم به المتخصصون في المجالات العلمية المختلفة . فليست مهمة الأستاذ الجامعي مثل مهمة الأستاذ في المراحل التي تسبق الجامعة، بل هو مطالب بأن يكون باحثا جادا وممتازا ، وأن يصرف من وقته الكثير في مشاريع البحوث العلمية التي تناسب تخصصه . فالجامعة مؤسسة علمية وثقافية تقوم بتوفير التعليم الجامعي ، والنهوض بالبحث العلمي وخدمة المجتمع بصورة تكاملية لتحقيق متطلبات التنمية ، كما أنها قادرة على إمداد المجتمع بالقوة البشرية المؤهلة تأهيلا عاليا، وهذا يزيد ـ لامحالة ـ من أهمية دور الجامعة التي تعد جزء من المجتمع الذي تعيش فيه وتتفاعل معه. ومن ثمة، يعد البحث العلمي في موقع القلب من وظائف الجامعة  كما يعتبر ركنا أساسيا من أركان الجامعة ، ووظيفة هامة من وظائفها .. وذلك من خلال إجراء البحوث والدراسات التي تهدف إلى بناء مقومات النمو العلمي بغية الانتفاع به في مجالات الحياة العملية.
ومن المفيد القول، إن الجامعة مطالبة اليوم بخدمة مجتمعها والعمل على النهوض به وتنميته. وحتى يكون للبحث العلمي موقعه الملائم، لا بد أن تكون التخصصات منسجمة مع ما تصبو إليه خطط التنمية.
وبناء عليه، كان لا بد من إعادة النظر بشكل كامل وكلي في البرامج المقررة والمناهج المتبعة والمعارف التي يحصل عليها الطلبة ، حتى يتمكن هؤلاء من اكتساب مهارات فنية وقدرات علمية من أجل إيجاد الحلول للمشكلات المطروحة أمام مجتمعهم . وهذا يستوجب وضع استراتيجية واضحة لإعطاء البحث العلمي مكانته اللائقة به . وغير خاف على أحد ، أننا نعاني في جامعاتنا من أزمة البحث في مجال العلوم الشرعية والإسلامية على العموم .
ومما يلفت نظر الباحث في هذه العلوم ، أن هناك نقصا واضحا في بعض مجالات التدريس والبحث في هذا الاتجاه . من ذلك مثلا ، عدم إدراج مادة في مقررات التعليم الجامعي تخص آليات تنزيل الفقه المالكي في القضاء الأسري ، علما بأن المذهب المالكي قد انفرد بغير قليل من الخصائص والمزايا التي زودت الفقه الإسلامي بطاقة حركية متجددة  وجعلته مرنا وصالحا للتلاؤم والتكيف مع الزمن .. وبالتالي ، لا يخفى على أحد مدى تحول المذهب المالكي إلى مدرسة تربوية إصلاحية ساهمت في بناء الشخصية المغربية .     وهكذا اتجهت مدرسة المذهب المالكي إلى العمل على توحيد المغاربة عقيدة ومذهبا وفكرا .. كل ذلك انطلاقا من أثر الإمام مالك في تدعيم مكانة السنة النبوية في المنهج الفقهي العام .
        ما أزال أذكر ما قاله المرحوم الحسن الثاني في إحدى خطبه أثناء انعقاد دورة مجلس النواب لشهر أكتوبر 1970 ” نريد مغربا في أخلاقه وتصرفاته جسدا واحدا موحدا تجمعه اللغة والدين ووحدة المذهب . فديننا القرآن والإسلام ، ولغتنا لغة القرآن ، ومذهبنا مذهب الإمام مالك . ولم يقدم أجدادنا رحمة الله عليهم على التشبث بمذهب واحد عبثا أو رغبة في انتحال المذهب المالكي ، بل اعتبروا أن وحدة المذهب كذلك من مكونات وحدة الأسرة . ”
لا يخفى على أحد ، الدور الذي قام به المذهب المالكي فيما يتعلق ببناء الشخصية العربية الإسلامية عموما ، والشخصية المغربية على وجه الخصوص . فكان بذلك مدرسة قائمة بذاتها . ويعد الإمام مالك من أبرز الشخصيات العلمية التي أسهمت إسهاما كبيرا في خدمة الأمة الإسلامية من خلال مكانته المتميزة ووضوح معالم مدرسته التربوية والفكرية ، والآثار التي تركتها في المجتمع الإسلامي عامة .
ومعلوم أن مذهب الإمام مالك ، هو مذهب المغاربة ، إليهم ينسب ، وبمجهوداتهم قام وصار مذهبا عمليا وعلميا كبيرا بين مختلف المذاهب الأخرى . لذلك ، فمذهب الإمام مالك رحمه الله ، من المذاهب السنية التي تلقتها الأمة بالقبول والرضى .. أعجب به كثير من العلماء الذين رحلوا إلى الإمام مالك للأخذ والتلقي ، فأصبحوا فيما بعد خدمة المعرفة الشرعية من خلال ما أسسوا من مدارس عدة ساهمت في ترسيخ مفهوم اليسر واعتبار مصالح الخلق ضمن مقاصد الشرع . ومن ثمة ، كانت لهذه المدارس المالكية خصائصها العلمية والتربوية والمنهجية ، كما كانت لها أدوارها العلمية ضمن المذهب المالكي .
وقبل الحديث عن هذه المدارس ومكوناتها وأدوارها ، لا بد أن نعرف بالإمام مالك ، خاصة وأن الأجيال اليوم لا تكاد تعرف شيئا عن ائمتها وعلمائها وفقهائها ممن قدموا خدمات جلى للمجتمع الإنساني عموما .
ويعتبر الإمام مالك من أبرز الشخصيات العلمية التي أسهمت إسهاما كبيرا في خدمة الفقه الإسلامي . عاش في مرحلة زمنية تعتبر من المراحل الهامة في تاريخ التشريع الإسلامي . لذلك ، نرى أن تنظيم ندوة عن آليات تنزيل الفقه المالكي خاصة في القضاء الأسري ، من الأعمال التي تستحق التقدير والتشجيع ، لأنها ستبرز المكانة المتميزة للإمام مالك .. وتوضح معالم مدرسته الفكرية والآثار التي تركتها في المجتمع الإسلامي .
ومن المؤكد أن اقتصار الدراسات والأبحاث الجامعية على الجوانب النظرية البحثة ، يبعدها عن الواقع ويحد من منافعها ومقدار خدماتها .
وفي هذا السياق ، لا يعفى تخصص الدراسات الإسلامية في جامعاتنا من واجب الالتحام مع الواقع الاجتماعي . ومعلوم أن الدراسات والأبحاث الجامعية ، تعد الميدان المثالي للتعرف على خصوصيات وجزئيات الحياة اليومية ، وكيفية تناول النصوص . ومن ثمة ، نلاحظ خلو مقررات شعبة الدراسات الإسلامية من إدماج وحدة تخص الفقه المالكي على حد ما أشرنا سابقا . فالطالب المتلقي لا يدرس الفقه المالكي والوحدة المذهبية ، كذلك لا يدرس أثر الإمام مالك في القضايا التشريعية ، كما لا يدرس أثر الشخصية المغربية في فقه الإمام مالك .. أيضا ، نجده لا يدرس أصول فقه مالك ولا يعرف شيئا عن الموطأ وغيرها من الموضوعات . وفي ظل تهميش البحث العلمي في خضم هذا الواقع ، فلا تقدم في مجال الاستفادة من آليات تنزيل الفقه المالكي في القضاء الأسري أو غير ذلك من الموضوعات ذات الصلة ،  بدون تطوير البحث العلمي ودون اعتماد نتائجه .
نقول ذلك انطلاقا من الدور الذي لعبه الفقه المالكي في بناء الشخصية المغربية بالأساس وتنظيم الحياة بكافة جوانبها . فهو لم يفرض مرونته وواقعيته وتجاوبه مع مشاكل الناس في المجتمع فقط ، وإنما أثر أيضا على رجال العلوم الشرعية . ومن المعروف تاريخيا وحضاريا أن شخصية المغاربة تمتاز بالحفاظ على طابع الأصالة في مقوماتها الدينية والثقافية ، بجانب الحفاظ على خصائصها الحضارية المتنوعة ، كما تمتاز بقوتها وصمودها . ومن ثمة ، نرى من الضروري استشراف دور البحث العلمي ودور العمل الجامعي الأكاديمي في تطوير آليات تنزيل الفقه المالكي التي تحتاج إلى إعمال النظر واحترام شروط التنزيل والاجتهاد ، وذلك من خلال تقريب وجهات النظر بين الفاعلين والمتدخلين في وضع مقررات التعليم الجامعي بما يتوافق مع الغاية الأساسية المتمثلة في الفهم والتطبيق السليمين لنصوص مدونة الأسرة .
إن مما يلفت نظر الباحث في مذاهب الفقه الإسلامي عموما ، ما انفرد به الفقه الإسلامي من الخصائص والمزايا التي زودت الفقه الإسلامي بطاقة حركية متجددة ، جعلته ـ كما أسلفنا القول ـ مرنا وصالحا للتلاؤم والتكيف مع الزمن ، دون أن ينحرف عن مبادئه وأصوله العامة المتفق عليها بالإجماع . وفي هذا الأمر إشارة صريحة وواضحة إلى الدور الذي يلعبه الفقه المالكي . ومن ثمة ، أصبح المذهب المالكي في الفقه الإسلامي يمثل المدرسة التربوية في المغرب التي تكون العلماء والأساتذة والقضاة والحكام والإداريين وغير هؤلاء وأولئك .. فهي مدرسة تقوم بدورها التربوي في الكتاتيب القرآنية والمساجد والزوايا والجامعات ، تؤثر في تربية المواطنين وسلوكهم وفي علاقاتهم بصفة عامة . وهكذا يستمر الفقه المالكي في أداء رسالته عبر القرون ، مما يجعلنا نستنتج أن الأصول الخاصة بالفقه المالكي تعتبر رصيدا صالحا بصفة أبدية ودائمة لمواجهة الحاجة إلى التشريع السليم والمساير لديننا الحنيف . ولنا في أعمال اللجنة التابعة لوزارة العدل التي انكبت على تنقيح وإعداد المدونة وفق الفقه الإسلامي السوي خير نموذج ، حيث تقوم أعمالها على أصول المذهب المالكي التي هي متطورة ومسايرة لكل وقت ، وذلك بما هي عليه من المرونة المتناهية .
وتأسيسا على ذلك ، أصبح من الضروري تقوية ودعم البحث العلمي في الجامعات المغربية في تطوير آليات تنزيل الفقه المالكي في القضايا الأسرية . ذلك أن البحث العلمي الجاد والهادف ينير الطريق أمام الباحثين في هذا المجال ، ويذلل الصعاب للمشتغلين بالتنزيل من أجل وضع قاعدة بيانات معرفية وقانونية عن طريقها يستقيم فهم النص القانوني للمدونة .
ولا يخفى ما لهذا البحث العلمي من أثر على المستوى الأكاديمي من جهة ، وكذا الأهمية العملية التي تسعف القاضي الممارس في اقتفاء الفهم السليم للنص وربطه بحسن التطبيق ، لأن آليات ربط النص القانوني بمصدره المادي ، يضع القاضي في الطريق السليم لاستنباط روح النص ومقاصده .
ولعل دور البحث العلمي والتدريس الجامعي في هذا الاتجاه أساسي ومهم ، حيث يجعل الدراسات أكثر موضوعية وأبعد عن الخيال والتجديف ، كما سيجعلها أقرب إلى الواقع الإنساني المعيش .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
MCG24

مجانى
عرض