ثقافة

صدى رجالات أسفي في التاريخ – الحلقة 112

إعداد : الدكتور منير البصكري الفيلالي / أسفي

  أمضى السي محمد بنعزوز وقتا قصيرا مع صديقه السي عبد السلام مجيد ضمن مهمة الرقابة المدنية بعد أن ساور الشك الإدارة الفرنسية في ميوله السياسي وعدائه للاحتلال الفرنسي ، فترك هذا العمل ليمارس تجارة والده في القيسارية لبيع الأقمشة . بعد ذلك تولى تدبير متجر للأحدية بالقرب من سينما ” الروكسي ” كان قد افتتحه السيد وقاش من فاس الذي كان يتمتع بخبرة عالية كتاجر بمبادرة من حزب الاستقلال الذي كان يسعى للانخراط في بعض القطاعات التي كانت حكرا على الأوروبيين وخاصة الفرنسيين . وفي وقت لاحق ، قدم السي عبد السلام مجيد صديقه السي بنعزوز إلى السيد ” ليدون ” بريطاني فرنسي متخصص في مجال تصبير الأسماك ، حيث كان صاحب معمل لتعليب السردين يسمى Glofi . وقف السي ليدون على ما كان يتمتع به السي بنعزوز من مواصفات شخصية ومهنية عديدة ، وما كان له أيضا من سرعة الحيوية والذكاء وروح المغامرة ، فعهد إليه بتسيير أسطول للصيد ، قاده السي محمد بنعزوز بمهارة وكفاءة قل نظيرها .
بعد حصوله على التقاعد ، استقر السي ينعزوز بالدار البيضاء وانضم إلى أكبر شركة لتعليب الخضر UNIMER للسيد سعيد العلج رئيس مصانع تعليب السمك في المغرب الذي وجد في السي محمد بنعزوز الرجل المناسب في مجال تسيير الأعمال بما له من تأثير إيجابي ، مقدرا ولاءه للقيم المدنية والأخلاقية والدينية . ويعود هذا طبعا للبيئة الأسفية التي أنجبته وأكسبته حبا فائقا للوطن وتطلعا بشغف إلى الصلاح وإصلاح الفرد والمجتمع ، كما أنبتت فيه الوطنية الصادقة قولا وعملا وسلوكا .
بعد حصول المغرب على الاستقلال عام 1956 ، عرضت عليه مناصب مهمة من المسؤولية ، فكان يرفض دون تردد مكررا أنه كان يناضل لأجل بلده وملكه ، ولم يكن ذلك للحصول على مكانة أو منفعة مادية شخصية . هكذا هي همة رجالات أسفي .. وصدق الشاعر حين قال :
ومن تكن العلياء همة نفسه        فكل الذي يلقاه فيها محبب
يذكر أنه في 25 يناير 1959 ، ثار الجناح اليساري لحزب الاستقلال على القيادة آنذاك ، مما أدى إلى ظهور تيارين معارضين .. وفي السادس من شتنبر من العام نفسه ، انعقد المؤتمر التأسيسي للاتحاد الوطني للقوات الشعبية بالدار البيضاء ، وهو ما لم يستسغه السي بنعزوز الذي كان يرفض هذا الانشقاق في صفوف حزب الاستقلال ، فوضع بذلك حدا لنشاطه السياسي وهو الرجل الذي كرس حياته لخدمة مصالح وطنه ، أمله أن يشتد عود هذا الوطن بالتضامن والتماسك ، لا بالتشتت والتفرق . وبذلك ، انصرف إلى الانخراط في الأنشطة الرياضية والاجتماعية ، تحدوه الرغبة والحماس في العمل لأجل أن يحظى الوطن بالمكانة اللائقة به ، فكان رائدا من رواد الوطنية الصادقة ، يحلم بالغد الأفضل والمستقبل الأمثل .
في بداية التسعينيات ، قرر السي محمد بنعزوز الذي أضعفه تقدمه في السن وسنوات طويلة من النضال والكفاح والنشاط المكثف ، أن يستقر بمراكش إلى أن وافته المنية سنة 1997 حيث دفن هناك رحمه الله .
ويبدو أن مسار حياته حافل بالكثير من العطاءات ، مما يجعل من غير قليل من محطاتها أنموذجا حيا ينبغي للأجيال أن تستلهم منها الأفكار والإشارات الدالة سعيا إلى خدمة الوطن وحفظا للصالح العام .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
MCG24

مجانى
عرض