
حفظ ماء الوجه والتقبل الاجتماعي يفرضان تكليف النفس
عبد اللطيف أفلا
كثر الحديث وانتشرت النصائح والتوجيهات التوعوية والدينية، حول ضرورة وعي المواطن البسيط بعدم تكليف نفسه عناء اقتناء كبش العيد، إزاء متلازمة ارتفاع سعره عام بعد عام، وما يرافقه من ضغوطات اجتماعية، تولد له قلقا نفسيا كلما حل زمن هاته الشعيرة الدينية، كتهديد وحالة استنفار وطوارئ على محدودي الدخل والفئات الهشة.
كالمعتاد يحمل عيد الأضحى حزمة من الاضطرابات داخل الأسر، تدفع رب البيت إلى الاضطرار لما لا يطيقه، ويتجاوز استطاعته المادية بكثير، فينتهي به المطاف إلى الاقتراض، بل وبيع أغلى الأجهزة والاثاث لديه، للملمة سومة الكبش المختار… المهم فرحة الأبناء وحفظ ماء الوجه أمام سكان الحي والجيران، والأقارب.
موازاة مع هذه الظرفية الصعبة، تتجدد النداءات المؤسسات الأهلية، والبرامج الإعلامية والخطب الدينية، لتوعية المستهلك بأن هاته الشعيرة العظمي، هي سنة، وعلى من يستطيعها فقط، وما على الإنسان أن يدخل نفسه في متاهة الضغوط، وتحميل نفسه إنفاق ما يساوي مصروف أشهر كاملة، أو أدوية سنة بأكملها.
نفس السيناريو يتجدد كل عام، لكن ثمة حلقة مفقودة في هذا المشهد المتكرر، لها علاقة بالمفهوم الذاتي، والشخصية الإنسانية، غفل عنها الناصحون والمعلقون، لذلك أفتى الفقهاء بجواز الاقتراض لدفع الضرر النفسي على الأبناء والزوجة، بل على الأسرة بكاملها في حال عدم شراء الأضحية .. كيف ذلك.
تنبني جذور الشخصية الإنسانية على مفهوم ذاتي، يتكون من التقدير الذاتي، تحقيق الذات، التقبل الذاتي، التقبل من الآخرين، المثل الأعلى الذاتي، وكل هاته العناصر تخلق ما يسمى بالاعتزاز، وهي غريزة جبلية في الإنسان، لا يمكن تجاهلها، أو كبتها، وفي حال ترك أضحية العيد، تنشأ لدى الإنسان عقدة نفسية، أو على الأقل قلقا نفسيا.
أولا علينا اليقين بأن كل فرد من أفراد المجتمع يدرك بأن شعيرة الذبح سنة، وليست فرضا، إذن لا أجد يجهل ذلك اليوم.
ثانيا، تجد أن أي شخص كلف نفسه اقتناء الأضحية، يصارحك ولا يخفي عليك أنه لا يرغب بالكبش بتاتا، لأنه ليس في استطاعته إلا أنه كان مضطرا.. ويعلم بأنه سيعيش أزمة أعمق توا بعد العيد، هذا أمر يعترف به كل شخص، لأنه على قناعة بالضغط الذي سيدخله مع الآلاف من الدراهيم التي أنفقها قسر إرادته، مبررا ذلك بالقيمة الاجتماعية، ونفسية الزوجة والأبناء، بل في كثير الأحايين، تحقيق ذاته هو أولا.. والمؤسف أن الكثير من المضغوطين بالعيد أصبحوا يُكنون العداء لهاته المناسبة، وكانت سعادتهم لا توصف حين رفع عنا مولانا أمير المؤمنين، محمد السادس نصره الله، شعيرة الذبح في العيد الماضي.
يمكننا الحكم إلى حد بعيد، بأن أولئك الذين يصفون بأن من يعذب نفسه كي يشتري الكبش أنه إنسان غير واع، مخطئون، لأن القضية تتجاوز الجانب التعبدي كشعيرة دينية من السنة النبوية، إلى مسألة أعمق ولها ارتباط بالنفس البشرية، حتى أن عددا من الفقهاء برؤوا من يتجه للاقتراض في هاته المناسبة، لأنه يدخل في جانب الاضطرار ودفع الضرر النفسي، كواحد من الضرورات الخمس التي تبيح المحظورات.
جميع علماء التحليل النفس، وكذلك البرمجة اللغوية العصبية يصنفون الاعتزاز وتحقيق الذات، والتقبل الاجتماعي، وجلب التقدير من الآخرين، ليس غرورا، ولا مباهاة ولا قصورا في الوعي والإدراك، بل إنه إحساس فُطر عليه الإنسان.
تشتعل غريزة الاعتزاز بالنفس أكثر، بحسب المحيط والعائلات، فإذا كان المحيط حيا شعبيا كثير السكان والجيران، وكانت الأسرة ممتدة لها علاقة قوية مع الأقارب، فإن اقتناء أضحية العيد يصبح ضروريا، ولا يمكن بأي حال من الأحوال التخلي عنها بعدم الاستطاعة، بل إن الأمر هنا يقتضي تكليف النفس، من أجل تفادي نظرة الناس والقيل والقال، بل حتى المس بالكرامة من قِبل الأقارب. وهذا ضغط يصعب على المرء التغافل عنه، مهما كانت الدرجة العلمية لرب البيت، لأن لأبنائه وزوجته حُكما مؤثرا قويا في المسألة.
أما في حال الأسرة النووية، ضعيفة أو منقطة العلاقة مع الناس والجيران، وصلة الرحم، لا مكان لحكم الاعتزاز وقهره، لأنه بعيدة عن المعارف والأنظار وانتشار أخبار الأضحية او دونها.
لأن الإنسان وكما أسلفنا جُبل على الاعتزاز الذي يحمي مفهوم الكرامة لدي ويحفظ ماء وجهه بين الناس، نتعرف من الحق تعالى بأن البشر في طبيعتهم يحبون أن يكونوا خيرا من غيرهم ومتفوقين عليهم، حينما دعانا للإخلاص وحسن وصلاح العمل، ثم الاعتزاز أمامه وأمام نبيه الكريم عليه الصلاة والسلام.
باسم الله الرحمن الرحيم.
وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالمُؤْمِنُونَ.
وإذا أبحرنا خلف هاته الحياة، بعد البرزخ والقيامة والحساب، نقف على مشهد عظيم من الاعتزاز، حينما يرفع المؤمن الناجح، كتاب أعماله الصالحة بيمينه وجاهرا أمام البشرية، أنظروا لكتابي ..لقد نجحت.. لقد نجحت..
باسم الله الرحمن الرحيم.
هَاؤُمُ اقْرَءُوا كتابيه إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حسابيه.
وخلاصة القول، علينا اليقين بأن قضية عدم تخلي الضعيف عن أضحية العيد، لها علاقة قوية بجذور شخصية، أكثر من مستواه الثقافي والتعلمي.






















