
مع نهاية كل موسم دراسي، تتجدد معاناة عدد من الأسر المغربية مع بعض مؤسسات التعليم الخصوصي، بعدما تجد نفسها أمام خيار لم يكن في الحسبان: سحب أبنائها من المؤسسة والبحث عن مدرسة أخرى، ليس بسبب رغبة الأسرة في الانتقال، وإنما نتيجة ضغوط تمارسها بعض المؤسسات على أولياء الأمور لحملهم على استلام شهادة المغادرة، أو رفض إعادة تسجيل التلاميذ الذين لم يحققوا نتائج دراسية مرتفعة.
وتحولت هذه الممارسات، بحسب شكاوى متداولة بين عدد من أولياء الأمور، إلى هاجس يؤرق العديد من الأسر، خاصة تلك التي قضى أبناؤها سنوات داخل المؤسسة نفسها، قبل أن يفاجؤوا بأن استمرارهم أصبح رهينا بالمعدلات المحصلة في نهاية السنة الدراسية.
يروي عدد من أولياء الأمور أنهم يتلقون، مباشرة بعد إعلان النتائج، اتصالات أو دعوات إلى لقاءات مع إدارة المؤسسة، يتم خلالها إبلاغهم بأن مستوى ابنهم “لا ينسجم مع توجه المؤسسة”، أو أن مصلحته تقتضي الانتقال إلى مؤسسة أخرى، قبل أن يطلب منهم استلام شهادة المغادرة دون وجود قرار تأديبي أو مبرر قانوني واضح.
وفي حالات أخرى، يؤكد آباء أن المؤسسات تمتنع عن تجديد تسجيل التلميذ برسم الموسم الدراسي الجديد، رغم وفائهم بجميع الالتزامات المالية والإدارية، بدعوى ضعف نتائجه الدراسية، الأمر الذي يضع الأسر أمام صعوبات كبيرة في إيجاد مؤسسة بديلة، خصوصا بعد انتهاء فترات التسجيل.
ولا تقتصر هذه الممارسات، بحسب شكاوى الأسر، على التلاميذ المسجلين بالمؤسسة، بل تمتد أيضا إلى التلاميذ الجدد الراغبين في الالتحاق بالتعليم الخصوصي. فمع كل دخول مدرسي، تخوض العديد من الأسر سباقا شاقا من أجل تأمين مقعد دراسي لأبنائها، غير أن بعضها يصطدم باعتماد اختبارات لتحديد المستوى تتحول، في بعض الحالات، إلى معيار للقبول أو الرفض.
وفي الأصل، تهدف اختبارات تحديد المستوى إلى التعرف على مكتسبات التلميذ الدراسية من أجل توجيهه ومواكبته تربويا. غير أن عددا من الأسر يعتبر أن بعض المؤسسات حولتها إلى وسيلة للانتقاء، حيث يتم رفض تسجيل التلاميذ الذين يحصلون على نتائج متواضعة، دون منحهم فرصة للاستفادة من برامج للدعم أو التأهيل.
ويؤكد أولياء أمور أن أبناءهم تعرضوا للرفض مباشرة بعد اجتياز هذه الاختبارات، رغم توفر المؤسسة على مقاعد شاغرة، ما اضطرهم إلى البحث عن مدارس أخرى، ليواجهوا في أغلب الأحيان الرد نفسه.
ويرى متتبعون للشأن التربوي أن بعض المؤسسات تراهن على تحقيق نسب نجاح مرتفعة في الامتحانات الإشهادية، باعتبارها ورقة تسويقية لاستقطاب المزيد من الأسر، وهو ما قد يدفعها إلى الاقتصار على التلاميذ المتفوقين أو ذوي الأداء المرتفع، واستبعاد من يحتاجون إلى مزيد من الدعم والمواكبة.
وتنعكس هذه الممارسات بشكل مباشر على الأسر، التي تجد نفسها مضطرة إلى البحث عن مؤسسة بديلة، كما يواجه التلميذ آثارا نفسية تتمثل في الإحساس بالفشل أو الرفض، رغم أن التعثر الدراسي قد يكون ظرفيا وقابلا للتجاوز.
ويرى أولياء أمور أن التعليم، مهما كانت طبيعته، ينبغي أن يظل خدمة ذات بعد تربوي وإنساني، لا أن يتحول إلى منظومة تقوم على الانتقاء الأكاديمي وحده، لأن المدرسة يفترض أن ترافق المتعلم في تجاوز تعثراته، لا أن تقصيه بسببها.
وأمام تزايد هذه الشكاوى، ترتفع أصوات تطالب بتشديد مراقبة ممارسات بعض مؤسسات التعليم الخصوصي، ووضع ضوابط واضحة لاختبارات تحديد المستوى، حتى لا تتحول إلى وسيلة لرفض تسجيل التلاميذ، مع ضمان عدم حرمان أي متعلم من متابعة دراسته بسبب نتائجه الدراسية وحدها.
ويبقى السؤال مطروحا: هل ينبغي أن يكون دور المدرسة اختيار التلاميذ المتفوقين فقط، أم أن رسالتها الأساسية هي صناعة النجاح، ومرافقة كل متعلم حتى يتجاوز تعثراته ويحقق تقدمه الدراسي؟





















