
د. منير البصكري الفيلالي / أسفي
تُعد ثورة الملك والشعب لحظة مركزية في تاريخ المغرب الحديث، لأنها جسدت التلاحم بين العرش والشعب في مواجهة الاستعمار، ورافقت مسار النفي والعودة والتحرر الوطني. وقد شكل نفي محمد الخامس وما ترتب عنه من تعبئة شعبية وثقافية مادة خصبة للشعراء، سواء في الشعر الشعبي الملحون أو في الشعر المدرسي الحديث .
فالشعر الملحون يمثل أحد أبرز مظاهر الأدب الشعبي المغربي، إذ يتسم بتنوعه الأسلوبي والإيقاعي، وارتباطه الوثيق بالواقع المغربي وبمخزون الثقافة الشعبية. وقد ظل هذا الفن، رأسمالاً ثقافياً وذاكرةً شفويةً تحفظ تحولات المجتمع، وتستجيب لقضاياه الوطنية والاجتماعية. وفي السياق نفسه، حضرت ثورة الملك والشعب في الشعر المغربي الحديث بوصفها لحظة مؤسسة للوعي الوطني، فاستثمرها الشعراء في بناء خطاب شعري يخلّد النضال ويؤرخ للمقاومة.
من ثمة ، تُعدّ ثورة الملك والشعب (1953–1955) من الأحداث المؤسسة في الذاكرة الوطنية المغربية ، حظيت بحضور قوي في إنتاج شعري متنوع، يمتد من الشعر الملحون الشعبي إلى الشعر الحديث المكتوب بالفصحى. وتكشف المقارنة بين النمطين عن تقاطعات في المضامين والرموز، واختلافات في الأساليب والوظائف التعبيرية.
وهكذا، يشترك الشعر الملحون والشعر الحديث في كونهما سجلاً حياً لثورة الملك والشعب، يعكسان ولاء الشعب للملك محمد الخامس رحمه الله ، ويدينان الاستعمار والخونة، ويخلدان لحظات النفي والمقاومة والعودة. فكلاهما يوظف الحدث التاريخي كمناسبة للتعبير عن الهوية والكرامة الوطنية، ويبرز التلاحم بين العرش والشعب كقيمة مركزية.
فكيف يعكس شعر ثورة الملك والشعب البنية الاجتماعية والسياسية للمغرب في خمسينيات القرن العشرين؟ وما هــــو الدور الذي يلعبه الشعر (الملحون والحديث) في تشكيل الذاكرة الجماعية والهوية الوطنية ؟ و كيف تفاعل الشعر الملحون والشعر الحديث مع ثورة الملك والشعب ؟ ثم كيف تجسدت ثورة الملك والشعب في الشعر الملحون والشعر الحديث، وما الذي تكشفه القراءة السوسيولوجية من تقاطعات واختلافات بينهما؟
ننطلق من فرضية أن الشعر ليس بنية جمالية مستقلة فحسب، بل هو أيضاً خطاب اجتماعي يعكس شروط إنتاجه التاريخية والثقافية، ويسهم في بناء الوعي الجماعي والذاكرة الوطنية. وهذا العمل هو مقارنة بين تمثلات الحدث الثوري في الشعر الملحون، بما يحمله من شفاهية وارتباط بالوسط الشعبي، وفي الشعر الحديث بما يتيحه من أفق فصيح وتأملي ورمزي.. وينتهي إلى أن النمطين، رغم اختلاف اللغة والبناء والمتلقين، يلتقيان في وظيفة أساسية هي تخليد الحدث الوطني وترسيخ قيم التلاحم بين العرش والشعب.
إن قصيدة الملحون ليست مجرد نص مكتوب، بل نص مُؤدّى، يُتداول شفوياً، ويتصل بالمجال الشعبي من خلال الإيقاع والإنشاد والتلقي الجماعي. أما الشعر الحديث، فيمثل فضاءً آخر للتعبير، أكثر التصاقاً باللغة الفصحى وبناء القصيدة المكتوبة، لكنه يظل هو الآخر مشدوداً إلى الواقع الوطني والتحولات السياسية.
والملاحظ أن شعر ثورة الملك والشعب ، قد يتحول إلى مادة شعرية مشحونة بالدلالة ، فهناك خطاب الفجيعة عند النفي، وخطاب الشوق في الغياب، وخطاب الإدانة للخيانة، ثم خطاب الفرح بالعودة والاستقلال. وهذه التحولات تجعل من الشعر أرشيفاً وجدانيّاً للمرحلة، لا مجرد تسجيل خارجي لأحداثها.
بداية ، ماهي تجليات هذه الثورة في الشعر الملحون من خلال :
أولا : خطاب الفجيعة والنفي ، إذ تظهر قصائد الملحون المرتبطة بالنفي باعتبارها صرخة جماعية تعبر عن الصدمة الوطنية. ففي نصوص من قبيل “يا هلي معظم يوم السبت” تتخذ اللغة طابعاً مباشراً، يخاطب الناسَ بلغتهم اليومية، ويحوّل اليوم التاريخي إلى علامة على الألم الجماعي. هنا تتجلى الوظيفة الاجتماعية للقصيدة في نقل الصدمة من المجال السياسي إلى المجال الشعبي، ثم تثبيتها في الذاكرة الشفوية.
يقول شاعر الملحون الحاج محمد بن عمر ،في نفي الملك محمد الخامس طيب الله ثراه :
قولو يا هلي معظم يوم السبت افلمدين الحمرا يذكار عمنا لطف الله وخمد لفتاين
سبحان من اقضى بقدرتو واحكم ابما اجرى في جمع البشر
قدرو مولانا واعلم كل كاين
يفوز من اصبر للشدا حتى اتفوت وارضى واقبل ما صار
افلقضا ما ينفع لهروب يالفاطن
ليام دايرا والفلك امعاها ايدور مــا للعبـــد اختيــــــــار
سلم الامر المولانا او كون داعن
فالقصيدة تتحدث عن نفي محمد الخامس ، ومن خلالها يوجه الشاعر أهل مراكش إلى التحلي بالصبر ويطلب إليهم بأن يتذكروا ويطلبوا لطف الله وإخماد الفتنة والدعاء بعودة السلطان محمد الخامس بعد نفيه من طرف سلطات الحماية .
ثانيا : خطاب الحنين والولاء ، حيث يتخذ التعبير الشعري شكل الشوق إلى السلطان والوفاء له، ومن ثمة ، يتحول السلطان محمد الخامس إلى رمز للشرعية والوحدة. وهذا الخطاب لا يكتفي بتأكيد علاقة الشعب بالملك، بل يجعل الغياب نفسه مناسبة لتعميق الارتباط الرمزي بينهما. ومن منظور سوسيولوجي، يدل هذا على أن القصيدة لم تكن وصفاً للحدث فقط، بل أداة لإعادة إنتاج الانتماء الجماعي.
يقول االشاعر محمد بوزيان في قصيدة ” الغيبة ” مؤكدا حنينه وولاءه للسلطان محمد الخامس :
غاب عليا حبيب قلبي من بعد الولف والمحبة وهجر رسمي ولا عرفت آش الهجر سبابــه
اللايم لا تلومني قلبي من نار الفراق يهبا من فكد اللي اهويت في حشاي تكب مشهابه
خلى جسمي نحيل وترك حالي يالايمني في جذبة الفراق اصعيب في القليب لسعنــي نشابــــه
يعذر حالي في حيلتو من ارتوى من ليعتو بشربة وسقاه البين ما سقاني من كاس شرابـــــه
لو كان تذوق يا اللايم لو ضاقت بك كل رحبة كيف أنا ضاق خاطري بالهجر وتشغابــــــه
ما كان في نيتي المحبوب يهجر رسمي بغي سبة ويشتقني في صورتو وبها حسن شبابه
فالقصيدة ترمز إلى نفي محمد الخامس وما تركه هذا الفعل الشنيع الذي أقدمت عليه فرنسا من آثر نفسي واجتماعي في نفوس الشعب المغربي .
ثالثا :خطاب الإدانة والثورة ، فبعض قصائد الملحون تنتقل إلى فضح الخونة والمتعاونين مع الاستعمار، وتستعمل في ذلك لغة أخلاقية ودينية تُدين البيع والخذلان وتضعهما في مقابل الشرف والكرامة. ويكشف هذا المستوى عن أن القصيدة الشعبية تؤدي أيضاً وظيفة رقابية داخل الجماعة، إذ تحدد المقبول والمرفوض أخلاقياً ووطنياً. وفي هذاالسياق ، يقول الشاعر محمد الرباطي من أسفي :
إشيطوا لردال هل القيل وقــال عنهم زايــد التقــال دوك التقـــــــال
بالدنيا باعوا الدين بالمثقـــــال وجفاونا ما تنفع حيلة ولا تفيد احيال
لهل المكايد والحيال بارو لحيال لهل الغي الطامعين في المحـــــــال
رابعا :خطاب العودة والانتصار، وهنا تتحول قصيدة الملحون إلى فضاء للفرح الجماعي، حيث تُصاغ القصيدة في نبرة احتفالية تكرّس لحظة الانتصار. ويكتسب هذا الخطاب بعداً اجتماعياً واضحاً لأنه يربط التحرر بعودة الشرعية، ويحوّل الاستقلال إلى حدث ذا طابع جماعي لا فردي.
يقول شاعر الملحون محمد العوفير :
لحبيب امحرر هاد لوطان من كل محاني باقيا روح حضن شعبنا في التاريخ امخلـــــد
ليس ننساوه يا جمع لخوان ماطال ازماني به لوطان اسما وارقى وعاد مكمول اموحد
آش را من لا شاف اهمامنا في الظل نوراني يوم نرجع الأب لحنين منصـــور امأيــــــــد
بشر الأمة بالتحرير والاستقلال البانـــي وجا العرش فـارح بعد مـا كـان امبعـــــــــد
سيدنا لهمام الخامس رأس البدر الساني كهف لحسان المجاهد شمر على ساق الجد
اعلى لوطان بملك ضحى وعاد متفوق عاني ربنا يسر له ما راد نعم الجليل الواحــــــد
قاوم الظلم والاستعمار حقق الأمانـــــــي حرر أوطان من الاستعباد هو ساب العاهد …
إذا كان الشعر الملحون قد اشتغل على الثورة من داخل اللغة الشعبية والشفاهية، فإن الشعر الحديث سيشتغل عليها ضمن أفق فصيح وتأملي، مستفيداً من إمكانات الصورة والرمز والتكثيف. وقد عبّر شعراء الحداثة المغربية عن الثورة باعتبارها تجربة وطنية كبرى تُستدعى في سياقات الفخر والرثاء والتأمل السياسي.
وفيما يخص ما جادت به قريحة الشعر المغربي الحديث ، المرتبط بنفي الملك محمد الخامس واندلاع المقاومة المسلحة ، وصولا إلى استقلال المغرب وعودة الملك .. نجد شعراءنا يفجرون شعرا يكاد يلامس ما وجدناه عند شعراء الملحون .
ففي نطاق خطاب الفجيعة والنفي ، يقول الشاعر عبد المجيد بنجلون:
أَبَا الشَّعْبِ كَيْفَ نَأَتْ بِكَ الأَيَّامُ وَكَيْفَ طَوَتْ بَهَاءَكَ الأَعْلاَمُ؟
سَلاَمٌ عَلَى النَّفْيِ الَّذِي شِئْتَ زِيْنَةً وَأَنْتَ لِعَرْشِ المَكْرُمَاتِ إِمَــامُ
صَدَمْتَ عُتَاةَ الظُّلْمِ فِي كَبِرِيَائِهِمْ فَهُمْ فِي جَحِيمِ الخَزْيِ كَيْفَ أَقَامُوا..
وفي خطاب الحنين والوفاء ، يتجلى شعرهم في التعلق بالعرش والملك المنفي، واستحضار صورته ورؤيته متجلياً في القمر كرمز وفاء شعبي ..
يقول الشاعرعلال الفاسي:
حَبِيبيَ رَمْزَ العِزِّ مَا زِلْتَ بَيْنَنَا بِقَلْبِي وَفِكْرِي ذِكْرُكَ العَطِرُ الْبَاقِي
وَإِنْ غَابَتِ الأَجْسَادُ فَالرُّوحُ حَيَّةٌ تَطُــوفُ بِأَرْجَــاءِ العُــلاَ وَتُلاَقِــــي
عهَدْنَاكَ لِلأَوْطَانِ حِصْناً وَمَلْجَأً فَهَا نَحْنُ فِي الشَّوْقِ المُمِضِّ العُشَّاقِ
أما عن خطاب الإدانة والثورة ، نجد أن هذا الخطاب يرتكز على فضح جرائم المستعمر الفرنسي ودعوة الشعب والكفاح المسلح للاقتصاص..
يقول الشاعر المختار السوسي :
أَيُّها الظَّالِمُونَ لَسْنَــا نَنَـــــامُ بَعْدَ أَنْ دُقَّ لِلْكِفَاحِ الطَّبْلُ
أَرْضُنَا غَالِيَةٌ وَسَوْفَ تَرَاهَا جَمْرَةً فِي وُجُوهِكُمْ تَشْتَعِلُ
صَوْتُ أَبْطَالِنَا يُدَوِّي صِمَاماً لَيْسَ يَثْنِي شَبَابَنَا المُسْتَحِيلُ
وفيما يخص خطاب العودة والانتصار، فإننا نجده يحتفي بالبشرى والفرح الوطني بمقدم المغفور له محمد الخامس معلناً نهاية الاستعمار..يقول الشاعر عبد الكريم بنثابت:
طَلَعَ البَدْرُ وَاسْتَنَارَ الوُجُودُ وَتَهَادَتْ بِعَوْدَتِكَ العُهُودُ
يَا هِلاَلاً أَعَادَ لِلشَّعْبِ رُوحاً بَعْدَمَا كَادَتِ المُنَى تَسْتَكِينُ
عُدْتَ كَالْفَجْرِ يَمْحُو كُلَّ ظَلاَمٍ فَالْمَغَــارِبُ كُلُّهَــا زُغْـــرُودُ ..
في هذا المستوى، لا يكتفي الشعر الحديث بالتوثيق، بل يسعى إلى تحويل الحدث إلى فكرة شعرية، وإلى استثمار الثورة كرمز للكرامة والسيادة والتاريخ المشترك. وتبرز هنا قيمة القراءة السوسيولوجية، لأنها تكشف أن اختلاف الشكل لا يلغي وحدة الوظيفة الاجتماعية .. فكلا الخطابين يسهم في تأسيس الذاكرة الوطنية، لكن عبر وسائط تعبيرية مختلفة.
من خلال هذه المقارنة ، يظهر أن كليهما ينتميان إلى مجال واحد من حيث المرجعية الكبرى وهو ثورة الملك والشعب بوصفها لحظة تلاحم وطني. غير أن الاختلاف بينهما قد يظهر على مستوى اللغة والمتلقي والبنية الفنية.فاللغة في الملحون عامية مغربية ، بينما هي في الشعر الحديث عربية فصحى ..كذلك فالمتلقي في الملحون شعبي واسع الانتشار ، وفي الشعر الحديث ، نخبوي ثقافي ..وعلى صعيد البنية الفنية ، نجد الأداء في الملحون شفوي إنشادي يؤدي وظيفة التوثيق الوجداني من خلال الذاكرة الشفوية الجماعية . أما في الشعر الحديث ، فالأداء كتابي تأملي ، وظيفته التأمل الرمزي من خلال الذاكرة المكتوبة والفردية. ومع ذلك، فإن النمطين يلتقيان في ثلاث وظائف أساسية:
1 ـ حفظ الذاكرة الجماعية.
2ـ تعزيز شرعية العرش الوطني.
3 ـ تحويل الحدث السياسي إلى رمز ثقافي دائم.
نخلص مما سبق ، إلى أن ثورة الملك والشعب، في الشعر الملحون والشعر الحديث، ليست موضوعاً تاريخياً عابراً، بل هي بنية دلالية متجذرة في الذاكرة المغربية. فالملحون والشعر الحديث يختلفان في أدوات التعبير، لكنهما يلتقيان في تمثيل الحدث الوطني وتخليده، وفي تحويل الشعر إلى وسيلة لإعادة إنتاج الوعي الجماعي.. كما تكشف هذه القراءة إلى أن الشعر، بوصفه ممارسة لغوية-اجتماعية، لا ينفصل عن شروط إنتاجه التاريخية والثقافية، بل يشارك في تشكيل الذاكرة الجماعية والهوية الوطنية. وهذا ما يجعل من دراسة الشعر الشعبي والحديث معاً مدخلاً أساسياً لفهم التحولات الكبرى في المجتمع المغربي المعاصر.



















