الرأي الحر

المغرب بعيون عربية: الرباط ..جغرافية الأنساق المكانية

بقلم: سيدي محمد السباعي: أستاذ جامعي من موريتاينا

الرأي الحر

في الوعي الوجداني، تتجاوز الجغرافيا حدود الخرائط المادية الملساء وتراص الطوب الأحمر، لتغدو سردية حية تتقافز إلى عين الرائي في تشكيلات العمران؛إنها عبق يتقاطر عبر أصابع الزمن، تتشكل به الهويات وتتقاطع فيه شواهد تاريخ المستقبل، لتصبح المدينة بذلك “تناصاً” بين حاضر يتلفع الغياب، وغياب يفرض حضوره البارز.

هكذا بدت لي الرباط حين وطئتها قدماي لأول مرة عام 1988، قادماً من نواذيبو؛ تلك المدينة الصحراوية التي نشأت فيها غرا وغادرتها يافعا وتركتها تغسل قدميها في مياه المحيط ، لم تكن الرباط حينئذ ،مجرد مستقر جديد للدراسة، بل كانت مختبراً حياً تعرفت فيه على الثقافة العربية والإسلامية في تشابكاتها التاريخية والمستقبلية مع الغرب. ورغم أن إقامتي المتصلة بالرباط انتهت عمليا عام 1996، إلا أن حبل الوصال لم ينقطع، بل تحول إلى زيارات منتظمة أتاحت لي مراقبة أنفاس المدينة وهي تتمدد وتتشكل، راصداً تغيرات العمران وبنية المجتمع وتجليات التحديث؛ وبقيت علاقتي بهذا الفضاء علاقة وجدانية متعالية على الجغرافيا؛ لأنها في الحقيقة وليدة تواصل حضاري وفقهي ولغوي يمتد لقرون.

واليوم، بعد كل هذا التردد، أعود لأتأمل قصة عاصمة استطاعت أن تنحت نموذجها الخاص في الانتقال نحو العصرنة دون أن تفرط في “روح المكان” حينما أتمشى اليوم في شارع “محمد الخامس”، في أروقته المغطاة أو تحت ظلال النخيل الوارفة، تداهمني طيوف الثمانينيات؛ فألمح واجهات المكتبات التجارية ومحال الألبسة وقاعة السينما ، وأستحضر ضجيج المعرفة في مقهى “باليما” أو مقهي ترمينوس المحاذي لمحطة القطار. هناك، حيث كانت تُعقد جلسات مناقشة النصوص الفلسفية، وتُستعرض أحدث إصدارات الجامعة، وتتعالى السجالات حول بنيوية الجابري، وتأويليات محمد أركون، والمراجعات التاريخية لعبد الله العروي.

لقد كانت “كلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكدال” آنذاك مركز ثقل فكري يتجاوز حدود الجغرافيا المحلية ليلامس الأفق العربي والدولي، حيث ضجت مدرجاتها بمحاججات صارمة حول التراث والمشروع النهضوي، ومناهج النقد الحديثة من ألسنيات وسيميائيات ونقد تاريخي.

لكن الرباط التي عرفتها لم تتكلس في قوالب الماضي. ففي العقود الثلاثة الأخيرة، شهدت المدينة تحولات عميقة أعادت تشكيل فضائها الحضري وبنيتها التحتية الصلبة، دون أن تخدش نسيجها التاريخي، مع الحفاظ على هويتها التراثية عبر ترميم الأسوار وقصبة الأوداية وتأهيل المدينة العتيقة؛ وربما  تجلى ذلك بوضوح في مشروع “أبي رقراق” الذي لم يكن مجرد تطوير عقاري، بل إعادة هندسة مكانية حولت النهر من عائق فاصل بين مدينتين إلى نقطة التقاء وجذب ثقافي واقتصادي، فضلاً عن شبكة “الترامواي ” التي أحدثت ثورة حقيقية في النقل الحضري.

وتحت لواء برنامج “الرباط مدينة الأنوار”، نهضت معالم تبشر بعصر جديد استهدف تأهيل البنية التحتية الشاملة ومنها المسرح الكبير ، بتصميمه الفني المبدع، كانحناءة نحتية حديثة تحاكي تموجات النهر، بينما يرتفع “برج محمد السادس” في الأفق ليعلن بجرأة دخول العاصمة عصر ناطحات السحاب، ورغم هذا الزحف الحداثي الذي تكرسه الأبراج والافتتاحات الفندقية العالمية ، يظل التحدي الأكبر هو حماية “الهوية المعمارية الرباطية”  فالتوفيق بين معمار عالمي وأنساق تقليدية يتطلب حساً تخطيطياً مرهفاً ، يقي المدينة من الانزلاق لتصبح مجرد نسخة مكرورة من مدن معولمة تفتقر للروح التاريخية الفريدة.

وما يزيد هذه المدينة سحراً، هو احتفاظها برئتها الخضراء؛ فهي من أكثر مدن المنطقة خضرة بفضل حزامها الأخضر، وغابات “المعمورة” القريبة، والحدائق التاريخية العريقة كـ”حديقة التجارب النباتية”

إن الرباط، في نهاية المطاف، لا تعيش على أمجاد ماضٍ ولى، ولا تركض لاهثة خلف نمط حداثي مشوه تتنكر فيه لتاريخها؛ إنها تصوغ تجربتها الخاصة بثبات، صانعةً أنموذجاً في كيفية إدارة التحول الحضري في مدننا العريقة. الرباط ليست مجرد طوب وأسوار وشوارع صاخبة بحركة محمومة؛ إنها، وكما أدركتها دائماً، حالة وجدانية وفكرية مستمرة.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

MCG24

مجانى
عرض
CONGTOGEL