سياسة

الحسن الثاني ومهد الطريق للقرار الأممي

سياسة

القرار الذي اعتمده مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025، والذي أكّد أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الإطار المقبول لحل ملف الصحراء، لم يَأتِ من فراغ. هو تتويج لمسار تاريخي طويل بدأت مع خطوات الحسن الثاني رحمه الله — من المسيرة الخضراء إلى التأسيس القانوني والدبلوماسي للموقف المغربي — واستكملت هذه الرؤية وتكثفت تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله. هذه المقالة تربط بين بذور الاستراتيجية التي زرعها الحسن الثاني وبين حصاد الدبلوماسية المغربية المعاصر.

1. البذور: رؤية الحسن الثاني (الشرعية الشعبية والقانون الدولي)

في خريف 1975، اختار الحسن الثاني وسيلة غير عسكرية لاستعادة جزء من التراب الوطني: المسيرة الخضراء (6 نوفمبر 1975)، وهي تعبئة شعبية هائلة (ما يقارب 350 ألف متطوّع) اتسمت بالطابع السلمي والروح الوطنية، وصاغت رسالة عالمية مفادها أن استعادة الصحراء كانت مناهجاً شعبية وقانونية لا غزوًا عدائياً. هذه الخطوة الرمزية والسياسية نجحت في فرض واقع جديد على ساحة المنطقة.

بجانب البعد الشعبي، لجأ المغرب تحت قيادة الحسن الثاني إلى وسائل القانون الدولي، وطلب رأي محكمة العدل الدولية التي أصدرت رأيًا استشاريًا في 16 أكتوبر 1975 تحدّث عن «روابط تاريخية» لبعض القبائل بالسّلطة المغربية، لكنه لم يمنح السيادة المطلقة لصالح طرف على طرف. المغرب وظّف هذا الرأي لتعزيز مبرراته التاريخية والقانونية.

2. من الاسترجاع إلى البناء: استراتيجية الحضور الميداني والدبلوماسي

الحسن الثاني لم يكتفِ بحدث تاريخي — بل بنى عن طريق الدولة أسسًا للحضور المغربي: تسجيل السكان، تأسيس إدارات محلية، وتعزيز روابط اجتماعية وثقافية مع الأقاليم الجنوبية. كان هذا العمل على الأرض ذا بعد استراتيجي: إظهار أن الرابطة بين الصحراء والمغرب ليست ادعاءً لحظيًّا بل واقعًا متكاملًا.

وفي الساحة الدبلوماسية، زرع الحسن الثاني قواعد المرافعة المغربية أمام المجتمع الدولي: تقديم الأوراق التاريخية والقانونية، والسعي لشرح مشروع الوحدة الترابية بصيغة تمنع تصاعد العنف وتدفع نحو حلول سياسية قابلة للتطبيق. هذا الإرث شكّل الإطار الذي مكن الأجيال التالية من تطوير مشروع سياسي قابل للعرض على المجتمع الدولي.

3. استمرارية الرؤية: الحسن الثاني كمرجعية تستند إليها استراتيجية القرن الحادي والعشرين

المرحلة التي تلت الحسن الثاني شهدت استمرارًا لنهجه لكن في أدوات معاصرة: منذ 2007 تبنّى المغرب رسميًا مبادرة الحكم الذاتي كإطار سياسي ملموس لتقوية اندماج الأقاليم الجنوبية داخل الدولة مع الحفاظ على السيادة. نصوص ومذكرات رسمية للأمم المتحدة وقعت في إطار التقارير السنوية لـMINURSO تشير إلى عناصر الخطة المغربية وإمكانية اعتبارها إطارًا عمليًا للمفاوضات.

تحت قيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، تطورت هذه الرؤية عبر أوراش تنموية كبرى (موانئ، طرق، طاقة، مشاريع اجتماعية) جعلت من الاندماج أرضيًا واقتصاديًا ملحوظًا، بينما واصلت الدبلوماسية المغربية بناء اعتمادات دولية للنموذج المغربي. هذه الاستمرارية في الرؤية السلطانية (من الحسن الثاني إلى محمد السادس) مهمة لفهم كيف تحولت أرضية الحجة المغربية من رمزية إلى وجاهة سياسية دولية.

4. كيف وصل إرث الحسن الثاني إلى قرار 31/10/2025؟ آليات الربط

  1. المرجعية التاريخية والقانونية: الخطاب الذي ابتدأه الحسن الثاني (النسق التاريخي والحق الشعبي) ظلّ الأساس الذي اعتمدته الرباط في مقترح الحكم الذاتي، فالأطروحة المغربية لم تُبْنَ في ليلة واحدة بل على تراكم سندات تاريخية وقانونية.

  2. الوجود الميداني والتنمية: ما صار هويتَه اليوم كـ«مشروع تنموي في الصحراء» هو امتداد للسياسات التي بدأت في إطار استرجاع النفوذ، ثم تحوّلت إلى خطة شاملة أثّرت في مواقف شريكَات دولية.

  3. الدبلوماسية المتواصلة: الإصرار على الحل السياسي الواقعي (الحكم الذاتي) وتكثيف الاتصالات مع عواصم كبرى وبلدان إفريقية وأوروبية، هو امتداد لعمل دبلوماسي طويل بدأه الحسن الثاني ومَشَت عليه الأجيال. قرار 31 أكتوبر 2025 ظهر نتيجة تراكم هذا الاعتراف الدولي المتزايد.

5. قراءة نقدية: لماذا كان إرث الحسن الثاني حاسمًا؟

  • الشرعية الشعبية: المسيرة الخضراء أعطت الخطاب المغربي طابعًا جماهيريًا لا يمكن تجاهله؛ هذا التمسّك الشعبي بقي حجة سياسية قوية أمام المحافل الدولية.

  • التأسيس القانوني والدبلوماسي: المرافعات القانونية التي بدأت في عهد الحسن الثاني واصلها المغرب لاحقًا سمحت بتقديم موقفٍ متوازن يمزج بين الحق التاريخي ومرتكزات القانون الدولي.

  • الاستمرارية المؤسسية: دولة قوية تواصلت قيادتها عبر أجيال وقدّمت حزمة متكاملة من الأدلة العملية (تنمية، مؤسسات محلية، سياسات دمج)، ما جعَل من موقف المغرب قابلاً للترجمة إلى إجماع دبلوماسي واسع في 2025.

من التاريخ إلى القرار: استمرارية ملكية تُكتب نتائجها دبلوماسيًا

القرار الدولي في 31 أكتوبر 2025 هو فصل آخر في قصة طويلة بدأتها مبادرات الحسن الثاني و سار على نهجها جلالة الملك محمد السادس نصره الله. ليس مجرد نص أممي، بل ثمرة استراتيجية تاريخية قامت على مزج الشرعية الشعبية، المرافعة القانونية، والوجود التنموي الميداني — كل ذلك تحت قيادة ملكية استمرت في توجيه ومسار الدبلوماسية المغربية. إن فهم هذا القرار لا يتمّ إلا بربط الحاضر بجذور الماضي حتى تحقّق التثبيت الدولي الذي رآه المغاربة انتصارًا للسيادة والوحدة الترابية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

CONGTOGEL