بعد سنوات متتالية من الجفاف وتراجع المخزون المائي، أعادت التساقطات المطرية الأخيرة الجدل حول ما إذا كان المغرب قد دخل مرحلة انفراج مائي حقيقي، أم أن الأمر لا يتجاوز تحسنا ظرفيا مرتبطا بظروف مناخية استثنائية. وبينما تشير الأرقام الرسمية إلى مؤشرات إيجابية، يحذر خبراء من قراءة متفائلة تتجاهل التفاوتات المجالية والرهانات المستقبلية.
أرقام رسمية تعكس تحسنا في الواردات المائية
أفادت معطيات صادرة عن وزارة التجهيز والماء بتسجيل واردات مائية مهمة على مستوى الأحواض المائية منذ بداية الموسم الحالي، حيث بلغ مجموعها حوالي 1.77 مليار متر مكعب منذ فاتح شتنبر 2025. وأوضحت الوزارة أن منتصف شهر دجنبر وحده عرف تركّزًا كبيرًا للتساقطات، مسجلا ما يزيد عن ثلاثة أرباع الواردات الإجمالية خلال فترة قصيرة.
تصريف محدود للمياه نحو البحر
وبخصوص المياه المصرفة في اتجاه البحر، كشفت الأرقام الرسمية أن الكمية المسجلة منذ منتصف دجنبر لم تتجاوز 6 في المائة من مجموع المياه المستقبلة، وهي نسبة وُصفت بالمحدودة مقارنة بحجم التساقطات، ما ساهم في تحسين مخزون السدود.
خبراء: الأمل قائم لكن التدبير هو الفيصل
في هذا السياق، اعتبر عبد الرحيم الكسيري، منسق الائتلاف المغربي من أجل المناخ والتنمية المستدامة، أن الأمطار الأخيرة فتحت آفاقا إيجابية، ليس فقط على المستوى الفلاحي، بل أيضا لإعادة التفكير في تدبير الموارد المائية بمنظور طويل الأمد. وأكد أن المغرب يعيش جفافا هيكليا، ما يجعل كل فترة مطر فرصة لإعادة بناء المخزون المائي، شريطة تدبيره بعقلانية.
لمعدل الوطني لا يعكس الواقع المحلي
رغم ارتفاع نسبة ملء السدود وطنيا إلى نحو 37 في المائة، شدد المتحدث على أن هذه المؤشرات لا تعكس بدقة الوضع الحقيقي في مختلف الجهات. فبعض الأحواض، مثل سوس ماسة وأم الربيع، ما تزال تسجل نسبا ضعيفة، في حين تعرف أحواض أخرى وضعا أفضل، ما يبرز تفاوتا مجاليا واضحا في توزيع الموارد.
دعوة إلى تدبير محلي ومندمج للماء
ودعا الفاعل البيئي إلى الانتقال من الاعتماد على المؤشرات الوطنية إلى اعتماد مقاربة محلية في تدبير الماء، تأخذ بعين الاعتبار حاجيات الجماعات القروية والإسقاطات المستقبلية، مع إشراك مختلف القطاعات المستهلكة للماء في آليات تخطيط وتفاوض جماعية.
السياسة المائية وتحدي التحكم في الموارد
من جهته، أوضح الخبير المناخي علي شرود أن تفاوت نسب امتلاء السدود يعود إلى التوزيع غير المتكافئ للتساقطات، إضافة إلى الخصوصيات المناخية والجغرافية لكل منطقة. واعتبر أن تصريف جزء من المياه نحو البحر يظل ظاهرة طبيعية، مؤكدا أن السياسة المائية الحالية، القائمة على بناء وربط السدود، تهدف إلى تقليص الهدر وتحسين توزيع الموارد على المدى المتوسط والبعيد.




