إعداد : الدكتور منير البصكري الفيلالي / أسفي
تحل اليوم 20 يناير 2026 الذكرى الثانية لرحيل عميد الأدب المغربي الدكتور عباس الجراري رحمه الله وأكرم مثواه . ولعل أثر رحيله ما يزال يحز في النفوس . فقد كان رحمه الله من أبرز الشخصيات التي ارتبط اسمها، علمياً ومؤسسياً، بترسيخ الملحون المغربي داخل الحقل الأكاديمي، بعد أن ظلّ قروناً طويلة حبيس التداول الشفهي والنظرة الفولكلورية الضيقة.. فقد مثّل مشروعه العلمي نقطة تحوّل حاسمة في مسار هذا الفن، من تراث شعبي متداول إلى موضوع بحث جامعي قائم بذاته ، تم إدخاله إلى رحاب البحث العلمي الجامعي على يد أستاذنا الجراري ـ رحمه الله ـ بعد صراع مرير مع نخبة معترضة فكان له دور كبير في التغلب على كل الصعوبات التي واجهته من طرف بعض المثقفين في سنوات السبعين من القرن الماضي ، حيث كان لهم موقف سلبي من تدريس الأدب الشعبي في الجامعة المغربية . وقد عبر أستاذنا عن هذا الموقف في كتابه : ” الزجل في المغرب ، القصيدة ” بقوله : ” ولعلنا أن نؤكد لهؤلاء جميعا ، أن الأدب الشعبي جزء ركين من التراث ، وأنه تعبير عن مقومات الشخصية الوطنية والذاتية الجماعية ، وأن الاهتمام به اهتمام بهذه الذاتية وتلك المقومات . ”
ويبدو أن ” الموقف الرافض للأدب الشعبي، وفي طليعته الملحون ، سقيم في جوهره وغير معلل ، وربما يحمل في طياته بذور التكبر والتعجرف ، والخوف من الالتصاق بمبدعين شعبيين في دكاكينهم وأماكن عملهم المتواضعة في وسط من العيش متذبذب ، ينفر أكثر مما يجذب .
وعلى الرغم من كل العراقيل والصعوبات ، استطاع الدكتور الجراري إدماج الشعر الملحون في مقررات سنوات الإجازة ، بل أن تهيأ تحت إشرافه رسائل وأطاريح في هذا الباب ، إدراكا منه لأهمية هذا الشعر، وشعورا بالحاجة إلى مزيد من البحث فيه لاستكمال ديوانه التر الغزير ، وتعميق درسه وتحليله ، وإبراز خصائصه والتعريف بأعلامه .
في هذا السياق تبرز إنجازاته وقيادته للجنة الملحون التابعة لأكاديمية المملكة المغربية، التي جمعت نحو 6000 قصيدة من مناطق مغربية مختلفة، مع التركيز على التحقق النصي والنشر في دواوين.. حيث أشرف على إصدار “موسوعة الملحون”، التي تضم دواوين لشعراء كبار مثل الشيخ عبد العزيز المغراوي (2008)، الشيخ الجيلالي امتيد (2008)، محمد بن علي المسفيوي الدمنابي (2016)، إدريس بن علي السنابي (2012)، أحمد سهوم (2019)، عبد القادر العلمي (2009)، أحمد الغرابلي (2012)، أحمد الكندوز (2011)، التهامي المدغري (2010)، والسلطان مولاي عبد الحفيظ (2014)، بالإضافة إلى محمد بن علي ولد أرزين (2009). هذه الموسوعة المتميزة ساهمت في حفظ هذا التراث الشعري
وأكسبته المزيد من الذيوع والانتشار .
كما ألف أستاذنا الجراري ـ أكرم الله مثواه ـ أعمالاً أساسية أخرى، مثل كتاب “القصيدة: الزجل في المغرب (1970) وهو دراسة تأسيسية للملحون كشكل شعري شعبي مغربي، مع تحليل أوزانه وبحوره ، وكتاب : “الإبداع الشعبي في المغرب” (1988)، الذي يستعرض الإبداع الشعبي بما فيه الملحون، و”معجم مصطلحات الملحون الفنية” (1970)، الذي قنن المصطلحات مثل “الإيقاع” و”المقامات”. أضف إلى ذلك “دليل قصائد الزجل في المغرب (الملحون)” (2017) و”مقدمات دواوين موسوعة الملحون” (2021)، التي قدمت إطارات نقدية لأعمال الشعراء. أشرف أيضاً على رسائل جامعية حول اتجاهات صوفية، صور فنية، وشعراء إقليميين مثل أحمد بن رقية، مما عزز الدراسات الأكاديمية في الجامعة المغربية .
في سياق التجديد، دعا أستاذنا ـ تغمده الله برحمته الواسعة ـ إلى تعميق البحث الجامعي في الملحون، مؤكدا على ضرورة انفتاح الجامعة أمام الباحثين والشيوخ للتعمق في الجزئيات، بعد أن كانت الجهود السابقة تركز على التعريف بالملحون عندما كان محصوراً في الذاكرة .. مبرزا أن البحث يساعد في تجديد الملحون وتطويره لمواكبة الركب الحضاري، مع الحفاظ على خصوصياته كديوان المغاربة وسجل لتراثهم .. وربطه بالهوية المغربية ، مما يعكس دوره الرائد في تطوير البحث العلمي حول هذا الفن.
بهذا المعنى، لم يكن أستاذنا الجراري مجرد دارس للملحون، بل مدافعاً عن مشروعيته العلمية داخل الجامعة المغربية .
من هذا المنطلق ، دعا ـ رحمه الله ـ إلى إرساء منهجية البحث في الملحون تتميّز بمقاربة الجمع بين التحليل الأدبي (البنية، الصورة، الإيقاع، اللغة )، والقراءة التاريخية (سياق الإنتاج والتحولات الاجتماعية ) وكذا البعد الأنثروبولوجي (العادات، القيم، التمثلات الجماعية )، والوظيفة الرمزية والهوياتية للنص الملحوني .
وفعلا ، فقد شكّلت هذه المقاربة المركّبة مرجعاً أساسياً للباحثين في مجال الملحون ، وأسست لما يمكن تسميته بـ : “مدرسة أكاديمية مغربية في دراسة الملحون ” مما سيساهم حقا في إدماج الملحون ضمن البرامج الجامعية والبحثية وفق معايير أكاديمية حديثة تشمل تثبيت نصوص الملحون كتابةً، والعناية بالتحقيق والتوثيق، والدعوة إلى أرشفة هذا التراث بوصفه جزءاً من الذاكرة الوطنية
ومن هنا، يصبح الملحون عند أستاذنا ـ رحمه الله ـ تعبيراً عن الهوية المغربية الجامعة، لا مجرد لون فني محلي . وهذا ما كرسه حدث إدراج الملحون خلال الدورة الثامنة عشرة للجنة الحكومية الدولية لصون التراث الثقافي اللامادي ، المنعقدة في مدينة ” كاسان ” بجمهورية بوتسوانا في السادس من دجنبر عام 2023 ، حيث اعترفت دوليا ب ” الملحون ” كإرث مغربي أصيل يعكس الهوية الثقافية المغربية . ويعد هذا الاعتراف الأممي من طرف منظمة اليونسكو ترسيخا للمجهودات التي يبذلها المغرب بقيادة جلالة الملك محمد السادس حفظه الله في مجال صيانة وحفظ التراث الثقافي المغربي ، دون أن ننسى كذلك مجهودات الدكتور عباس الجراري كمؤسس للبحث الأكاديمي حول الملحون ، إضافة إلى العمل الكبير الذي قامت به أكاديمية المملكة المغربية في مجال صون هذا التراث الأثيل وحفظه عبر موسوعة الملحون ، والترويج له وطنيا ودوليا كإرث حضاري متميز .
إن أثر الدكتور عباس الجراري في مجال الملحون لا يتمثل فقط في كتبه وأبحاثه وتأطيره وإشرافه العلمي الرصين ، بل في تحويل الملحون إلى حقل معرفي منظم ، له مفاهيمه، وأسئلته، ومناهجه، وأجياله البحثية. وبذلك، يستحق عن جدارة وصفه بـ ” مؤسس الدرس الأكاديمي للملحون المغربي ” ومنظم بحوثه العلمية، وأحد أبرز حماة الذاكرة الثقافية للمغرب .





