لقد علمتنا السيرة النبوية الشريفة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُقابل الإساءة بالإحسان، والأذى بالصبر والرحمة، حتى تحول أعداؤه إلى محبين ومؤمنين في كثير من الأحيان. من ذلك مثلا ، يوم فتح مكة.. أعظم وثيقة تسامح في التاريخ .فقد دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة فاتحًا منتصرًا بعد سنوات من الاضطهاد والقتل والتعذيب للمسلمين، ومع ذلك لم يفكر في الانتقام. وقف أمام قريش وقال : ” يا معشر قريش، ما تظنون أني فاعل بكم؟ ” قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم. فقال: ” لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم، اذهبوا فأنتم الطلقاء “.فهذا العفو الشامل غير مجرى التاريخ، فدخل الناس في دين الله أفواجًا، وأظهر أن الإسلام دين رحمة لا انتقام . كذلك ، لا ننسى الأعرابي الذي جذب رداءه بقوة . فقد روى أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمشي برداء نجراني غليظ الحاشية، فجاء أعرابي فجذبه جذبة شديدة حتى أثرت الحاشية في عنقه، ثم قال: يا محمد أعطني من مال الله الذي عندك! فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم فضحك، ثم أمر له بعطاء.
هذا الموقف يظهر حلمه وتسامحه مع الجاهل، ودفعه بالتي هي أحسن. ثم أيضا الأعرابي الذي أراد قتله صلى الله عليه وسلم وهو نائم . ذلك أنه في غزوة ذات الرقاع ، علق النبي صلى الله عليه وسلم سيفه على شجرة ونام تحتها. جاء رجل مشرك فأخذ السيف ورفعه فوقه وقال: أتخافني؟ قال: لا. قال: فمن يمنعك مني؟ قال: الله. فسقط السيف من يد الرجل، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: من يمنعك مني؟ فأسلم الرجل وقال: كن خير آخذ. قال أنس: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، والله ما سبني سبة قط، ولا قال لي أف قط، ولا قال لي لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلته.
ومن تسامحه صلى الله عليه وسلم أنه رُجم في الطائف حتى سال الدم على قدميه، فقال الملك: إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين. فقال: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا، ثم دعا: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون».
فهذه المواقف – وغيرها كثير – تؤكد أن التسامح عند النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ضعفًا، بل قوة وعزة نفس، وهدفًا في هداية الخلق ورحمتهم، كما وصفه الله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} (الأنبياء).
فعلينا ـ اليوم ـ أن نقتدي بهذا الخلق العظيم، فالتسامح يبني المجتمعات ويجلب القلوب إلى بعضها .
يتبع..





