
عاد ملف جبهة البوليساريو وعلاقتها بالإرهاب إلى واجهة النقاش السياسي والأمني داخل الولايات المتحدة، بعد تصاعد الدعوات داخل الكونغرس الأمريكي لتصنيف الجبهة منظمة إرهابية، وسط تحذيرات متزايدة من ارتباطاتها بإيران وحزب الله وشبكات التهريب والتنظيمات المسلحة في منطقة الساحل الإفريقي.
واعتبر معهد هودسون، وهو أحد أبرز مراكز التفكير الأمريكية المحافظة، أن أنشطة البوليساريو تتجاوز بكثير المعايير المعتمدة في الولايات المتحدة لتصنيف التنظيمات الإرهابية الأجنبية، في ظل ما وصفه بتنامي المخاطر الأمنية المرتبطة بتحركات الجبهة في شمال وغرب إفريقيا.
ويأتي هذا التطور بالتزامن مع تحركات يقودها أعضاء جمهوريون في مجلس الشيوخ الأمريكي، يتقدمهم تيد كروز، من أجل الدفع نحو إعادة تقييم الوضع القانوني والأمني للبوليساريو، عبر مشروع قانون يطالب بتصنيفها منظمة إرهابية بسبب علاقاتها بأطراف مدعومة من إيران.
تحذيرات من تحويل البوليساريو إلى “حوثيي غرب إفريقيا“
وقالت الباحثة البارزة في مركز السلام والأمن بمعهد هودسون، زينب ربوع، إن تصنيف البوليساريو منظمة إرهابية من قبل الولايات المتحدة من شأنه تقويض النفوذ الإيراني داخل إفريقيا، والحد من قدرة طهران على المناورة في المنطقة.
وأضافت أن هذا التصنيف سيؤدي إلى تجميد أصول الجبهة وتقييد تحركاتها، باعتبارها تنظيما شبه عسكري يتحرك ضد المغرب، الذي تصفه واشنطن بحليف رئيسي من خارج حلف الناتو وشريك أساسي في مكافحة الإرهاب.
وأكدت ربوع أن الخطر لا يرتبط فقط بالبوليساريو، بل بإمكانية تحول المنطقة إلى منصة متقدمة للطائرات المسيرة الإيرانية وشبكات التدريب التابعة لحزب الله على مستوى الجناح الجنوبي لحلف شمال الأطلسي.
وأشارت الباحثة إلى أن النفوذ الإيراني يتمدد عبر شمال وغرب إفريقيا من خلال الحرس الثوري الإيراني وحزب الله، اللذين يسعيان إلى استقطاب البوليساريو كوكيل إقليمي في مواجهة المغرب، ومحاولة الوصول إلى شبكات المقاتلين النشطة في الساحل. كما حذرت من أن منطقة الساحل تعيش وضعا أمنيا هشا بسبب انتشار الأسلحة وتزايد نفوذ الجماعات المسلحة ومرتزقة مجموعة فاغنر، إلى جانب التغلغل الإيراني، ما يرفع مخاطر انتقال التدريب والسلاح والأيديولوجيا المتشددة بين التنظيمات الإرهابية.
عدنان أبو وليد يعيد ملف البوليساريو إلى الواجهة
واستحضرت الباحثة الأمريكية اسم القيادي السابق في البوليساريو عدنان أبو وليد الصحراوي، الذي تحول لاحقا إلى أحد أبرز قادة تنظيم داعش في الصحراء الكبرى، معتبرة أن هذه الحالة تقدم مثالا واضحا على مخاطر الترابط بين الجبهة والتنظيمات المتشددة.
وكان أبو وليد الصحراوي قد قاد هجوما داميا في النيجر سنة 2017، أسفر عن مقتل أربعة جنود أمريكيين، وهو الهجوم الذي أعاد آنذاك ملف الإرهاب في الساحل إلى صدارة الاهتمام داخل واشنطن.
وفي السياق نفسه، اعتبر السيناتور الأمريكي تيد كروز أن إيران تعمل على تحويل البوليساريو إلى نسخة مشابهة لجماعة الحوثيين في اليمن، عبر بناء ذراع عسكرية موالية لها في غرب إفريقيا.
وقالت زينب ربوع إن تشبيه البوليساريو بالحوثيين ” ينسجم مع المنطق الاستراتيجي الإيراني”، مؤكدة أن طهران تمتلك دوافع قوية لإنشاء وكيل إقليمي قرب الجناح الجنوبي لحلف الناتو.
وأضافت أن البوليساريو استضافت معسكرات تدريب مرتبطة بحزب الله في تندوف، وهو ما دفع المغرب إلى قطع علاقاته الدبلوماسية مع إيران سنة 2018، فضلا عن اتهامات للجبهة بالتورط في تهريب الأسلحة نحو منطقة الساحل.
واشنطن تعزز دعمها للمغرب في مواجهة التهديدات
وفي تطور يعكس تنامي القلق الأمريكي، أكدت مونيكا جاكوبسن، وهي مسؤولة رفيعة بمكتب مكافحة الإرهاب في الخارجية الأمريكية، أن واشنطن تتقاسم المخاوف المرتبطة بأنشطة البوليساريو وتأثيرها على جهود مكافحة الإرهاب في المنطقة. وأوضحت أن مناطق تحرك الجبهة تقع بالقرب من فضاءات تعرف انتشار التهريب والأنشطة المسلحة في الساحل، ما يخلق بيئة قابلة للاستغلال من قبل أطراف خارجية، من بينها إيران.
وفي السياق ذاته، سبق لصحيفة واشنطن بوست أن كشفت عن تدريب مئات من مقاتلي البوليساريو عبر حزب الله داخل سوريا، حيث شاركوا إلى جانب نظام بشار الأسد قبل اعتقال عدد منهم لاحقا من قبل السلطات السورية الجديدة.
ويأتي هذا النقاش داخل الولايات المتحدة في سياق التحول الذي شهدته السياسة الأمريكية تجاه قضية الصحراء المغربية منذ اعتراف إدارة دونالد ترامب سنة 2020 بسيادة المغرب على الصحراء، في خطوة شكلت تحولا استراتيجيا في الموقف الأمريكي.
وشدد معهد هودسون على أن تصنيف البوليساريو منظمة إرهابية سيساهم في تقويض شبكات إيران والحد من تهريب السلاح، إضافة إلى تعزيز الشراكات الأمنية الأمريكية في إفريقيا، خاصة مع المغرب الذي تعتبره واشنطن شريكا محوريا في مكافحة الإرهاب والاستقرار الإقليمي.





















