
تشهد البوليساريو تحولات متسارعة تحت وطأة إرادة دولية حازمة تتجه نحو الحسم مع بؤر التوتر الموروثة من حقبة السبعينيات.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن قيادة الجبهة الانفصالية لم يعد أمامها سوى الانصياع للخيارات الاستراتيجية التي يرسمها المجتمع الدولي لمنطقة شمال إفريقيا، والذي بات يضع الاستقرار والحلول القابلة للتنفيذ على رأس أولوياته، رافضا استمرار النزاعات المفتعلة القائمة على منطق الابتزاز.
تصريحات “بيسط”.. زلة لسان أم بالون اختبار؟
في تطور لافت، أثارت التصريحات الأخيرة لمحمد يسلم بيسط، الذي يحمل صفة “وزير خارجية” داخل التنظيم، جدلا واسعا داخل مخيمات تندوف.
ولم تعتبر هذه التصريحات، التي حملت لهجة أقل تصلبا واستعدادا غير معهود للانفتاح على المقترح المغربي، مجرد زلة خطابية معزولة، بل تعكس إدراكا متزايدا لدى الجبهة وداعميها بأن لغة الإنكار وتأجيل الاستحقاقات لم تعد مجدية أمام مسار دولي يفرض “الواقعية السياسية”.
وقد جاءت هذه الإشارات الدبلوماسية المرنة متزامنة مع احتفالات التنظيم بالذكرى الخمسين لتأسيسه، في مفارقة واضحة تكشف عن حالة من التخبط، ففي حين تحاول قيادة الرابوني تسويق الوهم للداخل واستعراض بقائها، تسعى في الكواليس إلى ضمان موطئ قدم آمن ضمن أي ترتيبات سياسية مقبلة، متجنبة حرق مراكب العودة بشكل نهائي.
ترتيبات داخلية للتحضير للمرحلة المقبلة
لا يقتصر الارتباك على الخطاب الخارجي، بل يمتد إلى إعادة ترتيب الأوراق الداخلية.
وفي هذا السياق، يقرأ تعيين البشير مصطفى السيد على رأس ما يسمى “برلمان المخيمات” كخطوة استباقية.
ويرى مراقبون أن هذا التعيين يهدف إلى إعادة توزيع الأدوار استعدادا لأي مفاوضات محتملة، فمن جهة، يستغل وزنه الرمزي لإضفاء توازن على أي وفد تفاوضي مقبل، ومن جهة أخرى، يعتبر محاولة لاحتواء مواقفه التي لا تنسجم دائما مع المزاج الجزائري، وتحييد أي محاولة منه للتشويش على مسار الانحناء الإجباري للتحولات الدولية.
الانتكاسات الدبلوماسية وإدارة “الحرج” الجزائري
تأتي هذه التطورات في ظل عزلة دبلوماسية متزايدة تضرب البوليساريو، تجلت مؤخرا في سحب دول وازنة مثل مالي وكينيا اعترافهما بها، مما شكل ضربة قوية في المحافل الإفريقية والدولية.
وقد انعكس هذا الوضع المأزوم على الداعم الرئيسي للجبهة، فالتعاطي الجزائري الحذر، الذي يميل إلى الصمت إزاء تصريحات “بيسط”، يعد في حد ذاته رسالة سياسية.
وبث هذه التصريحات عبر القناة الدولية الجزائرية التابعة للمؤسسة العسكرية يضفي عليها طابعا رسميا، ويجعلها أشبه بـ”بالون اختبار” لقياس ردود الأفعال، وتهيئة متدرجة لمتغيرات لم يقرر النظام الجزائري بعد طريقة إعلانها بشكل صريح.
ويعكس هذا الصمت، وفقا للقراءات السياسية، شكلا من أشكال “إدارة الحرج”، حيث يدرك الراعي الإقليمي أن الخطاب الراديكالي القديم فقد صلاحيته، لكنه لا يزال يبحث عن صيغة لترجمة هذا الإدراك إلى موقف سياسي واضح.






















