
منصة تتويج كأس العالم ليست مجرد مسرح لتسليم الكأس، بل هي الصورة الأخيرة التي تبقى خالدة في ذاكرة الجماهير، واللقطة التي تختزل هوية الدولة المنظمة ورسالتها للعالم. ولهذا السبب، أثارت منصة تتويج نهائي كأس العالم 2026، الذي احتضنته الولايات المتحدة الأمريكية، موجة واسعة من الانتقادات، بعدما اعتبرها كثيرون بسيطة إلى حد التواضع، وتفتقر إلى اللمسة الفنية والإبداعية التي ميزت منصات التتويج في نسخ سابقة من البطولة.
ففي الوقت الذي اعتادت فيه الجماهير على منصات تحمل رموزا ثقافية ومعمارية تعكس هوية البلد المضيف، جاءت منصة نهائي مونديال 2026 بتصميم عملي وبسيط، أقرب إلى منصات الاحتفالات التقليدية، دون عناصر بصرية مبهرة أو تفاصيل تروي قصة البلد المستضيف أو تاريخ البطولة.
ولم يكن غريبا أن يقارن المتابعون بين هذا المشهد ومنصات التتويج التي شهدتها نهائيات سابقة، سواء في قطر عام 2022 أو روسيا 2018 أو جنوب إفريقيا 2010، حيث كان الاهتمام واضحا بإخراج اللحظة الختامية بصورة فنية تليق بأكبر حدث كروي في العالم.
هل كرة القدم ليست أولوية في الولايات المتحدة؟
هذا المشهد أعاد طرح سؤال قديم يتجدد مع كل بطولة تستضيفها الولايات المتحدة: هل يعود هذا “البرود” في التفاصيل التنظيمية إلى أن كرة القدم لا تزال بعيدة عن صدارة الرياضات الأكثر شعبية في البلاد؟
فالرياضة الأمريكية تقوم أساسا على كرة القدم الأمريكية وكرة السلة والبيسبول والهوكي، بينما لا تزال كرة القدم، رغم نمو شعبيتها، تحتل موقعا أقل تأثيرا مقارنة بهذه الرياضات.
ويرى بعض المتابعين أن هذا الواقع ينعكس أحيانا على طريقة التعامل مع البطولة، حيث يغلب الطابع التجاري والتنظيمي على الجانب الرمزي والثقافي الذي يميز عادة بطولات كأس العالم في دول تعتبر كرة القدم جزءا من هويتها الوطنية.
أم أن الرسالة مختلفة؟
في المقابل، يذهب رأي آخر إلى تفسير مختلف، مفاده أن الولايات المتحدة لم تكن معنية بإبهار العالم عبر التفاصيل الجمالية، بقدر ما كانت تراهن على قوتها التنظيمية والبنية التحتية الضخمة، وكأن الرسالة تقول: “نحن نستضيف الحدث بطريقتنا”.
فأمريكا، باعتبارها إحدى أكبر القوى العالمية، غالبا ما تعتمد أسلوبا تنظيميا يعكس شخصيتها الخاصة، دون أن تشعر بالحاجة إلى تقليد النماذج السابقة أو الالتزام بالصورة التقليدية التي اعتادتها بطولات كأس العالم.
غير أن هذا المنطق، حتى وإن كان مقبولا من زاوية السيادة التنظيمية، لا يمنع من طرح تساؤلات حول أهمية المحافظة على البعد الرمزي للبطولة، باعتبارها إرثا عالميا يتجاوز حدود الدولة المنظمة.
بين التنظيم والرمزية
لا أحد ينكر أن كأس العالم 2026 شهد نجاحات تنظيمية على مستوى البنية التحتية والحضور الجماهيري والقدرات اللوجستية، وهي عناصر تمتلك فيها الولايات المتحدة خبرة كبيرة في تنظيم الأحداث الرياضية الكبرى.
لكن النجاح التنظيمي وحده لا يكفي دائما لصناعة نسخة استثنائية تبقى في الذاكرة. فالتفاصيل الصغيرة، ومن بينها منصة التتويج، تحمل قيمة رمزية كبيرة، لأنها تمثل المشهد الأخير الذي يختزل البطولة بأكملها.
ويبقى الجدل الذي رافق النسخة الأمريكية، سواء حول بساطة منصة التتويج أو حول القضايا التي أثيرت على هامش البطولة، دليلا على أن كأس العالم لم يعد مجرد منافسة رياضية، بل حدث عالمي تتداخل فيه الرياضة بالثقافة والسياسة والصورة التي ترغب كل دولة في تقديمها للعالم.
وفي النهاية، قد تختلف الآراء حول جمال منصة التتويج أو فلسفة تنظيم البطولة، لكن المؤكد أن اللحظات الختامية لكأس العالم تظل جزءا من ذاكرة كرة القدم العالمية، وأن الجماهير تنتظر دائما مشهدا يليق بحجم الحدث، سواء أقيم في دولة تعشق كرة القدم أو في قوة عالمية ترى أن لكل بطولة بصمتها الخاصة.
عبد الصمد المزايطي






















