
يبدو أن الغلاء المغربي دخل موسم الانتخابات قبل أن تدخل الأحزاب حملاتها الانتخابية. فبعد سنوات من النقاش حول الأسعار والقدرة الشرائية، وبعد أن تحولت كلفة المعيشة إلى واحدة من أكثر القضايا إزعاجا للمواطنين، بدأت أحزاب الأغلبية الحكومية نفسها تتحدث عن خفض الأسعار، ومحاربة الوسطاء، ورفع الدخول، ودعم الأسر.
المفارقة أن هذه الوعود تأتي من أحزاب كانت طوال الولاية الحكومية جزءا من الأغلبية التي تولت تدبير الملفات الاقتصادية والاجتماعية، قبل أن تكتشف، مع اقتراب الاستحقاقات، أن البطاطس والطماطم واللحوم والكهرباء والضرائب والمعاشات ليست مجرد أرقام في تقارير رسمية، بل تفاصيل يومية في حياة المواطن.
هكذا عاد الغلاء والقدرة الشرائية إلى صدارة الخطاب السياسي، محملين بحزمة من المقترحات، من إصلاح أسواق الجملة ومحاربة الوسطاء، إلى دعم الأسر ورفع المعاشات وتخفيف العبء الضريبي وفواتير الكهرباء.
والسؤال الذي يفرض نفسه، بشيء من السخرية السياسية: إذا كانت هذه الحلول ممكنة اليوم، فلماذا لم تكن ممكنة بالأمس؟
الغلاء يعود إلى البرامج الانتخابية
حزب الأصالة والمعاصرة، أحد مكونات الأغلبية الحكومية، يقدم ما يسميه «ميثاق القدرة الشرائية»، وينطلق من اعتبار الغلاء ضغطا يوميا يتطلب معالجة تتجاوز الدعم الظرفي ومراقبة الأسواق.
ويقترح الحزب إعادة تنظيم مسالك تسويق المواد الغذائية، وتحديث أسواق الجملة، وإحداث ست شركات جهوية للتوزيع الفلاحي، إلى جانب محاربة ما يسميه «الوساطة الطفيلية»، كما يقترح إجراءات اجتماعية من بينها مجانية فواتير الكهرباء التي تقل عن 100 درهم، وإعفاء الأجور الخام التي تقل عن 15 ألف درهم من ضريبة الدخل، وضمان معاش لا يقل عن 3000 درهم، ورفع الدعم الاجتماعي تدريجيا إلى 1000 درهم.
أما حزب الاستقلال، فيضع بدوره حماية القدرة الشرائية ضمن التزاماته، ويتحدث عن جعل أسعار المواد الأساسية في متناول المواطنين، مع حماية الفلاحين المنتجين. كما يقر نزار بركة بأن ارتفاع الأسعار أضر بالقدرة الشرائية وبالطبقة الوسطى.
كل هذه المقترحات تبدو جذابة على الورق، لكن المواطن الذي عاش الغلاء يوميا قد يطرح سؤالا أبسط: هل احتاجت هذه الملفات فعلا إلى اقتراب الانتخابات حتى تستعيد مكانتها في البرامج السياسية؟
الوسطاء.. الحلقة التي اكتشفتها السياسة متأخرا
من أكثر الكلمات حضورا في الخطاب السياسي الجديد كلمة «الوسطاء».
فالبرامج الانتخابية تتحدث عن هوامشهم، وعن تأثيرهم في أسعار المنتجات، وعن ضرورة إصلاح أسواق الجملة ومسالك التسويق، بينما يقترح «البام» إنشاء منصات متعددة الوسائط مجهزة بالتبريد والتوضيب والتتبع الرقمي للمعاملات.
المشكلة أن المواطن لم يكتشف الوسطاء اليوم. فهو يعرف منذ سنوات أن السعر الذي يدفعه في السوق لا يعكس بالضرورة ما يحصل عليه المنتج.
لذلك يبقى السؤال السياسي قائما: إذا كانت مسالك التسويق والاختلالات معروفة، فلماذا تأخر إصلاحها إلى هذا الحد؟
فإصلاح السوق لا ينبغي أن يكون مرتبطا بالموسم الانتخابي، كما أن محاربة الوسطاء لا يمكن أن تتحول إلى شعار موسمي كلما ارتفعت كلفة المعيشة.
اللحوم.. حين يصبح «المسلك» جزءا من المشكلة
في ملف اللحوم، تبدو المفارقة أكثر وضوحا.
فالحكومة لجأت إلى دعم الاستيراد وتسهيل الواردات بهدف المساهمة في ضبط الأسعار، غير أن المواطن لم يشعر دائما بأن هذه الإجراءات انعكست بالسرعة نفسها على ثمن الكيلوغرام في السوق.
واليوم يبرز في الخطاب السياسي تركيز أكبر على مسلك اللحوم نفسه، من أسواق المواشي إلى المجازر وهوامش الوسطاء.
وبذلك يتضح أن أزمة الأسعار لا ترتبط فقط بالإنتاج أو الاستيراد، وإنما أيضا بطريقة وصول المنتج إلى المستهلك. وهو ما يجعل إصلاح السوق وسلاسل التوزيع جزءا أساسيا من أي سياسة جدية لحماية القدرة الشرائية.
لكن المفارقة تبقى قائمة: لماذا لم يكن هذا الإصلاح في مقدمة الأولويات طوال السنوات الماضية؟
الكهرباء والضرائب والمعاشات.. وصفة اجتماعية كاملة
لم تعد القدرة الشرائية مرتبطة فقط بأسعار المواد الغذائية. فقد دخلت الكهرباء والضرائب والمعاشات والدعم الاجتماعي أيضا إلى صلب الوعود الانتخابية.
اقتراح مجانية الفواتير الشهرية التي تقل عن 100 درهم، مقابل مساهمة تضامنية على الاستهلاك المرتفع، قد يكون جذابا بالنسبة إلى الأسر محدودة الاستهلاك، لكنه يطرح سؤال التمويل والاستدامة.
والأمر نفسه ينطبق على الإعفاءات الضريبية ورفع المعاشات والدعم الاجتماعي. فالمواطن لا يريد فقط معرفة حجم المساعدة التي سيحصل عليها، بل يريد أن يعرف من سيمولها، وما كلفتها، وهل ستستمر بعد انتهاء الانتخابات؟
وهنا تحديدا تظهر المسافة بين الوعود الانتخابية والسياسة العمومية. فالبرنامج الجيد لا يقاس فقط بعدد الأرقام الكبيرة التي يتضمنها، وإنما بوضوح مصادر التمويل وآليات التنفيذ والقدرة على الاستمرار.
«صفر تسامح» مع الفساد.. شعار يحتاج إلى اختبار
إلى جانب القدرة الشرائية، يرفع حزب الاستقلال شعار «صفر تسامح مع الفساد وتضارب المصالح»، ويتحدث عن قانون خاص بتضارب المصالح وإنهاء منطق «باك صاحبي».
وهي شعارات يصعب الاختلاف مع أهدافها، لكن السياسة لا تقاس بجمال الشعارات وإنما بقدرتها على التحول إلى قوانين ومؤسسات وممارسات.
فالمواطن لا يريد فقط أن يسمع أن «باك صاحبي» سيختفي؛ بل يريد أن يعرف متى سيختفي، ومن سيحاسب من يستعمله، وكيف ستضمن الدولة تكافؤ الفرص.
وهذا السؤال يعيد النقاش إلى جوهره: ما الذي يمكن للأحزاب أن تعد به وهي في المعارضة، وما الذي كان بإمكانها فعله عندما كانت جزءا من الأغلبية وتشارك في صناعة القرار؟
المشهد السياسي المغربي يدخل مرحلة ستصبح فيها القدرة الشرائية واحدة من أهم أوراق المنافسة الانتخابية. وستتسابق الأحزاب على الحديث عن الأسعار، والطبقة الوسطى، والمعاشات، والدعم، والصحة والتعليم.
وهذا في حد ذاته ليس أمرا سلبيا. فمن الطبيعي أن تكون معيشة المواطنين في صلب البرامج السياسية.
لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول مشاكل عاشها المواطن لسنوات إلى اكتشاف انتخابي جديد، خصوصا عندما تصدر بعض الوعود عن أحزاب كانت في موقع المسؤولية الحكومية.






















