اقتصاد

ترشيد التدبير المالي في رمضان.. خمسة أسئلة للمدرب في التطوير الذاتي والذكاء المالي الأسري وجودة الحياة، محمد بنساسي

ترشيد الاستهلاك والتدبير المالي أمر ضروري سواء على المستوى الفردي أو الجماعي، وذلك من أجل الحفاظ على الموارد والأموال من الهدر واستدامة منفعتها ، لكن العديد من الأفراد والأسر يفقدون بوصلتهم في تدبير موازناتهم المالية لافتقارهم إلى مهارة الترشيد، فيقعون جراء ذلك في محاذير الإسراف والتبذير أو في غياهب الديون ودوامتها المتوالية.

في حوار مع وكالة المغرب العربي للأنباء، يلقي المدرب في التطوير الذاتي والذكاء المالي الأسري وجودة الحياة، محمد بنساسي، الضوء على أبرز العادات الخاطئة المتعلقة بالاستهلاك والتدبير المالي لدى الأفراد والأسر، وسبل تصحيحها ، خصوصا في شهر رمضان الذي يشهد ارتفاعا كبيرا في حجم الاستهلاك وهدر الطعام مقارنة مع باقي شهور السنة.

1 – ما هو مفهوم ترشيد الاستهلاك ؟

بداية كلمة الاستهلاك أصلها في اللغة من الهلاك، وقد وردت في القرآن الكريم في قول الله تعالى : “أهلكت مالا لبدا” (سورة البلد)، بمعنى أنفقت مالا كثيرا، ومنه اشتقت كلمة الاستهلاك ، والمعنى الاصطلاحي لهذه الكلمة هو الاستخدام المباشر للموارد والسلع والخدمات من أجل إشباع حاجات الإنسان بهدف تحقيق حياة كريمة.

وترشيد الاستهلاك هو عملية واعية يتم فيها دفع المال مقابل خدمات وسلع وبضائع، لتلبية احتياجات الفرد أو الأسرة من غذاء ودواء وملبس وغير ذلك ، بشكل متوازن بعيدا عن كل أشكال التبذير والإسراف، وكذلك بعيدا عن كل أشكال الحرمان والبخل. فهو إذن عملية عقلية عاطفية روحية وسلوكية، وبترتيب أنسب هو عملية روحية، عقلية ، عاطفية وسلوكية، أي أن الإنسان يستدعي ذكاءه الروحي والعقلي والعاطفي والجسدي لتلبية احتياجاته الضرورية والحاجية والكمالية له ولأسرته بما يحقق المصلحة الآنية والمصلحة الآتية.

2- ما هي الأخطاء المتعلقة بالتدبير المالي التي ترتكبها الأسر عموما، لا سيما في رمضان، وما هي أسباب ذلك ؟

في اعتقادي، الأخطاء المتعلقة بالتدبير المالي والاستهلاكي يرتكبها الناس على مدار العام ، لكنها تكون بارزة أكثر في شهر رمضان.

الخطأ الأساسي والأول هو أن الناس لا يعرفون أولوياتهم ، بمعنى أنه عندما تسعى إلى تلبية شيء ما وتدفع ثمن سلعة أو بضاعة أو خدمة ، هل تتساءل ما إذا كانت الأسرة تحتاج بالفعل لذلك ، هل هي ضمن أولوياتك أم ليست كذلك؟ هناك ثلاث مراتب من الأولويات في الحياة ، وهي الضروريات، والحاجيات والكماليات بالتعبير المعاصر أو التحسينيات بتعبير الإمام الشاطبي في كتابه الموافقات .

كثير من الناس لا يميزون بين ما هو ضروري وما هو حاجي وما هو كمالي ، وعندما نراجع الطريقة التي ينفق بها الناس أموالهم ، وهذا من خلال التجربة الشخصية أيضا، نجد عددا كبيرا من الحالات ، خاصة عندما يكون ثمة اختلاف في تدبير ميزانية الأسرة، تنصرف إلى الكماليات بعيدا عن التوازن بين ما هو كمالي وما هو حاجي وما هو ضروري .

فالضروريات هي تلك الخدمات والسلع والبضائع التي لا يمكن بأي وجه من الوجوه الاستغناء عنها، بحيث لو فقدت تسبب ذلك في ضرر، أو جعل حياتنا مهددة، إذن فهي كل ما يوفر لنا الحماية ويضمن لنا الحياة.

والحاجيات هي في مرتبة أقل، وهي تلك السلع والبضائع والخدمات التي عندما نوفرها ، تجعل حياتنا أسهل وأكثر مرونة مثل السيارة والهاتف، والأجهزة المنزلية كآلات الطبخ والغسيل وغيرها ، لكن عندما نفقد هذه الأشياء لا تتعرض حياتنا للتهديد، قد تصعب حياتنا، نعم، لكن ذلك لا يشكل تهديدا مباشرا لحياتنا .

أما الكماليات فهي تلك الخدمات والسلع والبضائع التي ندفع لأجلها أموالنا مقابل تحقيق الرفاهية والتوسع على النفس والأهل والأبناء والشعور براحة أكثر.

إذن فالترشيد الأمثل أو الترشيد المقنن هو الذي يمكننا من تلبية كل هذه الاحتياجات، بشكل متوازن ومعقول يراعى فيه الدخل المتاح.

الخطأ الثاني: الإنفاق دون مراعاة للقدرة الشرائية للأسرة وبما يتجاوز طاقتها المالية، فتدخل جراء ذلك في متاهة الديون.

الخطأ الثالث : عدم التفريق بين الحاجة والرغبة، وبالتالي فإنني أنصح كل شخص يريد اقتناء شيء أن يسأل نفسه، هل هناك حاجة حقيقية لهذا الشيء أم هي مجرد رغبة، وهو ما يعبر عنه في كثير من الأحيان بعبارة ” عجباتني” أي راقت لي أو ما شابه، وبالتالي فالشخص الذي يجعل الرغبات تتحكم على حساب الحاجات عادة ما يقع في مشاكل.

هذه الأخطاء الأساسية التي يقع فيها عموم الناس وبتجاوزها يمكن التغلب على العديد من المشاكل المتعلقة بترشيد الاستهلاك.

3 – ماذا عن أصحاب الدخل المحدود الذين لديهم صعوبة في تلبية ما هو ضروري فضلا عما هو حاجي أو كمالي. ما هو الخطأ الذي يرتكبه هؤلاء؟

بعض الأشخاص الذين لهم دخل بسيط يرتكبون خطأ على مستوى التصور. ولطالما عالجت هذا الخطأ مع المسترشدين من الناس. فبعضهم يقول لدي راتب بقيمة ألفي درهم “هذا هو رزقي”، فأقول لهم هذا جزء من الرزق. الخطأ هنا هو الاعتقاد بأن ذلك المبلغ من المال الذي يناله الفرد مقابل عمله يعتبره مبلغ سعيه وكل رزقه ، وبالتالي يكف عن الطلب والسعي، ويدخل في مرحلة من الاعتماد، فيكتفي بذلك الدخل ويعيش في الضيق، وهكذا يقع ضحية عدد كبير من العادات السلبية، إما القروض، أو إخلاف العهود مع الناس وعدم الوفاء بأداء ما عليه من دين. إذن هو مشكل اعتقادي وتصوري، وبالتالي البديل عن هذا التصور ، أن يعتبر الفرد أن هذا الدخل هو جزء من رزقه ، وأن يسعى أكثر لكسب مزيد من المال، وأن يبحث ويفكر فيما يمكن أن يقوم به أو يتعلمه لتحسين وضعه المالي، وهو ما أعبر عنه تحديدا ب”تحرير الإرادة”.

فعندما نساعد الناس على تحرير إرادتهم، فإنهم ينطلقون، ويبدعون، وينتجون ويجتهدون من أجل كسب المزيد من المال وهذا واقع عدد من النساء والرجال الذين استطاعوا فعلا أن يغيروا وجه حياتهم، وذلك فقط من خلال تصحيح فكرتهم حول الرزق، فراحوا يبذلون أشكالا من الجهود ويقومون بأنواع من الأنشطة التي أدرت عليهم دخلا محترما ، وغيرت حياتهم تماما من الفقر إلى الغنى وأحيانا إلى الثراء.

4 – ما هي العادات الاستهلاكية الخاطئة التي يرتكبها الناس في رمضان، وما هي توصياتكم بهذا الخصوص؟

من العادات السيئة التي يمارسها الناس في رمضان ، والتي لا تخلو من البعد النفسي، هو تكديس كميات كبيرة من المواد الغذائية قبل رمضان، والتسابق والمفاخرة بتوفير أنواع كثيرة من المأكولات والأطباق الخاصة بهذا الشهر الفضيل بما يفوق الحاجة وينحو نحو الإسراف والتبذير، وهذا يضر بموازنات الأسر وبصحتهم أيضا.

ثم أحب أن أذكر أن شهر رمضان هو عبارة عن دورة تدريبية لترشيد الاستهلاك مدتها شهر كامل، نستطيع أن نستفيد من فضائله إذا تعاملنا معه على أنه فترة أو موسم للتدرب على حسن التدبير وترشيد الاستهلاك، وهنا سوف نذكر مجموعة من القواعد .

القاعدة الأولى : رمضان هو شهر الصيام والعبادة والتقرب إلى الله، وهو شهر الروحانيات، وهذه مسألة أساسية جدا تجعل الفرق شاسعا بين من يتعامل مع رمضان على أنه موسم روحي، وبين من يتعامل معه على أنه موسم لتنويع الطعام والشراب، فهذا الفرق في التصور ينعكس على مستوى تدبير وترشيد النفقات ، لذلك من الأشياء التي أؤكد عليها دائما هي أن رمضان فرصة للاقتصاد وليس لإنفاق المزيد من المال، فمثلا عوض استهلاك ثلاث أو أربع وجبات، نقتصر على وجبتين في شهر رمضان ، وإن كان لابد من ثلاث وجبات فلتكن وجبة العشاء خفيفة، فاكهة أو ما شابه ، فالصوم يقتضي التقليل من الطعام وفق أطباء وأخصائيي التغذية، لأنه لا معنى أن نمنع الطعام على الجسد طيلة ساعات طويلة من اليوم ثم فجأة وخلال ساعات قليلة، نقوم بعملية هجوم على المعدة وعلى الذات بكميات كبيرة من الطعام في وقت وجيز ، هذا طبعا يرهق الجسم ويعرضه للكثير من المخاطر الصحية ، ولذلك تشهد المستشفيات والعيادات الطبية بعد رمضان توافد كثير من المرضى بسبب أخطاء في الاستهلاك.

القاعدة الثانية : هو التخلص من العادات السيئة في التعامل مع الزمن والغذاء ، حيث إن بعض الناس يعكسون أوقاتهم، فينامون بالنهار ويسهرون بالليل، هذا الاختلال في التعامل مع الزمن ينتج عنه زيادة في الاستهلاك، لأن الناس عندما يسهرون يأكلون ويستهلكون كميات أكبر من الطعام والشراب، وهذا الأمر تعززه عادات عند بعض الأسر في التزاور والسمر والسهر إلى حدود الفجر وما يرافق ذلك من استغلال أكبر لموارد أخرى كالكهرباء والانترنيت والتعبئة..، كل ذلك يساهم في إلحاق الضرر بميزانية الأسرة. بينما عندما تنام الليل تماما كالعادة وتقضي النهار في العمل والمثابرة، فإن هذا يقلل من فرصة تناول كميات زائدة من الطعام ويوفر الطاقة أيضا.

القاعدة الثالثة : وتتعلق بالغذاء، وهي أن نفكر بشكل جدي كيف نجعل من الإفطار وجبة للتغذية أي أن تحتوي على سعرات حرارية كافية لتعويض الجسم عما فقده من الطاقة خلال فترة صيامه بالنهار بشكل يضمن استعادة الجسم لحيويته، وطاقته دون تبذير. كثير من الطعام نتناوله بكميات كبيرة ولا يعطي الجسم ما يحتاجه حقيقة من الطاقة، بينما هناك طعام خفيف وأيضا في متناول الناس ويعطي الجسم طاقة هائلة وهذا مجال يتحدث فيه المتخصصون في التغذية، وله علاقة مباشرة بترشيد الاستهلاك، لأن الطعام المغذي عموما في متناول الجميع، وبأسعار مقبولة جدا.

وأنصح في هذا الإطار باتخاذ خطوات عملية كالتالي : – إجعل من هذا الشهر فرصة استثنائية مقارنة بباقي أشهر السنة، وبرمضانات السنوات التي مضت، بمعنى آخر، ارفع تحديا في شهر رمضان الحالي واجعل له ميزانية معينة، إما في حدود ميزانية الشهور الماضية، وهذا هو أقل تقدير، وإلا فالأصل أن يكون استهلاكك في شهر رمضان أقل منه في بقية شهور السنة، وحتى نجمع بين الاقتراحين ، اجعل له ميزانية أقل وذلك الفرق اجعله احتياطا تلجأ إليه عند الحاجة او عند حدوث طارئ . – حاول أن تحافظ على الليل فرصة للراحة والنوم وجزء منه للقيام والتعبد، واجعل النهار للسعي والعمل. بهذه الطريقة، سوف تحافظ على توازن إيقاع برنامجك اليومي، وتقلل تماما من الاستهلاك الزائد ليلا وتوفر الطعام والطاقة.

5 – ما هي ثمار الاستهلاك الرشيد وتجلياته في حياة المستهلك ؟

تخيل أنك قد قمت بكل الخطوات الآنفة الذكر، وعزمت أن تجعل من رمضان هذا العام ، رمضانا استثنائيا، وأنك سوف تستهلك فيه أقل مما كنت تفعل خلال أشهر السنة، ستحصد بذلك مجموعة من الثمار وعلى رأسها:

– المحافظة على إيقاعك خلال العام، وهذا مهم جدا ، لأنك لن ترهق جسدك ولن تستنزف قدرا هائلا من طاقتك، بسبب السهر وتناول كميات كبيرة من الطعام ، فذلك من شأنه أن يؤثر على صحتك وعلى إنتاجيتك.

– توفير قدر من المال، مقارنة ببقية شهور السنة

– الحفاظ على الموارد من الهدر والتبذير

– اكتساب عادات إيجابية فيما يتعلق بالإنفاق والتدبير ، لأن رمضان هو فعلا مدرسة للتدرب على التدبير وترشيد الاستهلاك، وبالتالي سوف تخرج منه وقد تعلمت دروسا كثيرة في ترشيد الاستهلاك ، وفي معرفة ما هو ضروري وما هو حاجي وماهو كمالي ، وسوف تكتسب عادات جديدة في التعامل مع أولوياتك في الحياة، سواء تعلق الأمر بالطعام أو الشراب أو الملبس …كلها أشياء ستعود بالفائدة عليك وعلى أفراد أسرتك جميعا، هذه بعض الثمرات وإلا فالكثيرون سوف يكتشفون ثمارا لم أذكرها بحسب نوعية تجربتهم وبحسب نوعية الحياة التي يعيشونها وأيضا بحسب حجم الأخطاء التي يرتكبونها ، وهكذا فخوضك لهذه التجربة وهذا التحدي ، سيجعلك تتبنى سياسة ترشيدية لكل ما تستهلك من موارد مختلفة ، وتكتسب أساليب وطرقا جديدة في الترشيد والاستهلاك تكون نافعة وذات جدوى ليس فقط خلال شهر رمضان، بل في جميع شهور السنة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
MCG24

مجانى
عرض