
وتتواصل على مدار الساعة مجهودات ميدانية مكثفة لحماية المواطنين المتضررين من ارتفاع مستوى مياه وادي اللوكوس الذي غمر أحياء عديدة بمدينة القصر الكبير، تقودها السلطات العمومية، مدعومة بمصالح الوقاية المدنية والقوات المسلحة الملكية والدرك الملكي والسلطات الترابية، إلى جانب تسخير وسائل لوجيستيكية مهمة.
تدخلات ميدانية تفعيلا للتعليمات الملكية
وتشمل هذه التدخلات عمليات إجلاء واسعة للأسر المهددة، وتأمين مراكز إيواء مجهزة، وتوفير الدعم الغذائي والطبي، فضلا عن تتبع منسوب الأودية والسدود والتدخل الاستباقي لتفادي تفاقم الأضرار، في مسعى يضع حماية الأرواح والحد من الخسائر في صدارة الأولويات.
وتأتي هذه التدخلات تنفيذا للتعليمات الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، القاضية بالتدخل الفوري للقوات المسلحة الملكية ونشر وسائل بشرية ولوجيستيكية مهمة لدعم ومساعدة ساكنة المناطق المتضررة، في تجسيد عملي للعناية الخاصة التي يوليها جلالته لحماية أرواح المواطنين، وصون سلامتهم، وضمان أمنهم في مواجهة تداعيات الظروف المناخية الاستثنائية.
كما سبق أن شدد جلالته، خلال إشرافه على إعطاء انطلاقة أشغال إحداث منصة المخزون والاحتياطات الأولية لجهة الرباط- سلا- القنيطرة، على ضرورة توفر كل جهة من جهات المملكة على منصة كبرى للمخزون والاحتياطات الأولية (خيام، أغطية، أسرة، أدوية، ومواد غذائية …)، وذلك من أجل مواجهة الكوارث (فيضانات، زلازل، ومخاطر كيماوية، وصناعية أو إشعاعية) بشكل فوري.
تجربة في تدبير الكوارث
وفي هذا السياق، أكد أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق بجامعة القاضي عياض بمراكش ومدير مختبر الدراسات الدستورية وتحليل الأزمات والسياسات، إدريس لكريني، أن المغرب بحكم موقعه الجغرافي وتضاريسه يظل معنيا بمختلف الكوارث الطبيعية، من قبيل الزلازل والفيضانات والتصحر والجراد والجفاف، مبرزا أن المعطيات التاريخية تؤكد تعايش المملكة مع هذه الظواهر منذ زمن بعيد.
وأوضح لكريني، في تصريح لـSNRTnews، أن المملكة عملت خلال العقود الأخيرة على إرساء خطط وسن تشريعات وإحداث مؤسسات وهيئات متخصصة في تدبير الكوارث، وذلك في إطار قائم على التشاركية والتنسيق والاستباقية.
وأضاف أن توالي سنوات الجفاف خلال العقد الأخير، وما نتج عنها من تراجع في منسوب المياه واحتياطات الأحواض المائية، دفع صناع القرار إلى اعتماد تدابير هيكلية، من بينها سن قانون الماء، وإطلاق مشاريع تحلية مياه البحر، والعمل على تحقيق العدالة المجالية المائية عبر مشروع الطريق السيار للماء، إلى جانب حملات توعوية لترشيد الاستهلاك.
وأشار لكريني إلى أن الأمطار الأخيرة، رغم انعكاسها الإيجابي على رفع منسوب السدود وإنعاش القطاع الفلاحي، فقد تسببت في فيضانات وسيول همت عددا من المناطق، خصوصا بشمال المملكة ومدينة القصر الكبير، “إلا أن المغرب أرسى خلال السنوات الأخيرة تدابير وخططا استراتيجية مكنت من التعامل بقدر كبير من الاستباقية مع مثل هذه المحطات”.
كفاءة التدخل
سجل الأستاذ الجامعي أن حجم التعبئة التي تم رصدها ميدانيا يعكس مستوى الجاهزية، مبرزا أنه تم إجلاء أزيد من 154 ألف شخص في ظرف قياسي، مع الحرص على توفير شروط تحفظ كرامة المتضررين، سواء من حيث النقل أو الإيواء أو التغذية، وذلك في إطار تفعيل التعليمات الملكية السامية الرامية إلى حماية المواطنين ومنع خروج الأوضاع عن السيطرة، خاصة في ما يتعلق بإنقاذ الأرواح.
كما اعتبر أن التجارب التي راكمها المغرب خلال السنوات الأخيرة، سواء في تدبير جائحة كورونا أو في التعاطي مع زلزال الحوز، أسهمت في تعزيز الخبرة المؤسساتية ورفعت من كفاءة التدخل في مواجهة الأزمات، مشيرا إلى أن “المملكة نجحت، إلى حدود الساعة، في تدبير هذه المحطة في انتظار تحسن الأوضاع الجوية”.
تعزيز الجاهزية والصمود
وفي أفق الحد من مخاطر الفيضانات مستقبلا، شدد لكريني على أهمية تسريع إنجاز مشروع الطريق السيار للماء، الذي سيمكن من ضمان الوفرة في المياه الصالحة للشرب، “كما أكد على ذلك صاحب الجلالة الملك محمد السادس في خطابه السامي بمناسبة الذكرى الـ25 لعيد العرش المجيد، بحيث شدد جلالته على ضرورة اعتماد تدبیر استباقي ومستدام للموارد المائية، في ظل تزايد حدة الإجهاد المائي وتغير المناخ”.
ويرى لكريني أن هذا الأمر سيتأتى من خلال تحويل فائض السدود نحو المناطق التي تعرف خصاصا، خاصة بالوسط والجنوب، فضلا عن دور مشروع الطريق السيار للماء في تحويل مجاري الأودية والأنهار بما يقلل من حدة الفيضانات، خصوصا بالمجالات الحضرية.
وختم بالتأكيد على أن تدبير الكوارث بالمغرب عرف تطورا ملحوظا على مستوى تعزيز الجاهزية والصمود، مع الحاجة إلى تطوير أنظمة الرصد والإنذار المبكر والاستشعار عن بعد، وتوسيع توظيف التكنولوجيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في التنبؤ، إلى جانب ترسيخ وعي مجتمعي وقائي واعتماد سياسات عمرانية أكثر صرامة تضمن عدم البناء في المناطق المهددة بالفيضانات.






















